دعوة العالم للاستثمار في الرياضة المصرية: قصة رؤيتي المقترحة لجذب الشركات متعددة الجنسيات

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل

لم تكن الرياضة يومًا «مجرد رياضة»؛ ففي كل دولة استطاعت تحويل الرياضة إلى قطاع مستدام، صارت الرياضة نقطة التقاء بين الشغف والاقتصاد: الجمهور يصنع الطلب، والمؤسسات تصنع التنظيم، والاستثمار يصنع الاستمرارية. لسنوات طويلة ظل سؤال واحد يلحّ عليّ: لماذا لا تزال مصر – بكل جماهيرها الضخمة، وأنديتها التاريخية، وعلاقتها الثقافية العميقة بالرياضة – تجذب استثمارات رياضية متعددة الجنسيات أقل بكثير مما يمكن أن تجذبه؟

هذا السؤال هو قلب بحثي العلمي الذي قدّمت فيه رؤية (ونظامًا) لجذب الشركات متعددة الجنسيات للاستثمار في المجال الرياضي في مصر في ضوء المتغيرات المعاصرة. في هذه التدوينة أقدّم الدراسة بصوتي الشخصي، لا بصياغة أكاديمية بعيدة، لأنني الباحث الذي حمل هذا الهم، وبنى هذا الإطار، وحاول وصل واقع الرياضة في مصر بالمنطق الاستثماري العالمي الذي يحكم الرياضة الحديثة.

لماذا اخترت التركيز على الشركات متعددة الجنسيات؟

الشركات متعددة الجنسيات لا تجلب المال فقط؛ بل تجلب معها خبرة تسويقية، وشبكات عالمية، ومعايير تشغيل احترافية، وتخطيطًا طويل المدى، لأن قراراتها نادرًا ما تكون موسمية أو انفعالية. حين تدخل شركة عالمية سوقًا رياضيًا، تتأسس العلاقة عادة على قيمة العلامة التجارية، وحجم الجمهور، ومصداقية الحوكمة، ووضوح الإطار القانوني؛ وهي بالضبط النقاط التي يتحول عندها الاستثمار الرياضي من صفقة مرتجلة إلى منظومة متكاملة.

في الحالة المصرية، إمكانات السوق واضحة: جمهور ضخم متفاعل عاطفيًا، أندية ذات رمزية تاريخية، وحضور إقليمي قوي. لكن الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى استثمار؛ فالشركات العالمية لا تستثمر بدافع الشغف، بل وفقًا لتقييم المخاطر، ودرجة التوقع، والحماية القانونية، ومستوى الحوكمة، وفرص العائد. لهذا لم يكتفِ بحثي بـ«الدعوة إلى الاستثمار»، بل اقترح نظامًا مصممًا لجعل بيئة الرياضة في مصر أكثر وضوحًا وقابلية للفهم، وأكثر جاذبية للاستثمار، وأكثر اتساقًا مع توقعات الشركاء الدوليين.

ماذا حاول البحث أن يبني؟ «نظام» لا أمنيات

الفكرة الجوهرية في البحث أن جذب الاستثمار الرياضي متعدد الجنسيات لا يمكن أن يعتمد على مبادرات متفرقة؛ بل يحتاج إطارًا متماسكًا يعالج ثلاث دوائر رئيسة:

  • مناخ الاستثمار حول الرياضة: من تشريعات، وحقوق، وإجراءات، وآليات للحماية.

  • المنتج التجاري نفسه: بطولات، وأندية، ومؤشرات جمهور، وحزم رعاية وحقوق علامة تجارية قابلة للتسويق.

  • البناء المؤسسي القادر على التفاوض، وتنفيذ الشراكات، وضمان استدامتها.

تضم المادة أمثلة وجداول تشير إلى أندية إنجليزية معروفة مثل فولهام، وتشيلسي، ومانشستر يونايتد، وبورتسموث، وأستون فيلا، ووست هام يونايتد، وليفربول، ومانشستر سيتي؛ ليس لمجرد المقارنة، بل لأن الاستثمار العالمي في كرة القدم قام على نماذج واضحة، ومن خلال فهم كيفية بناء المنظومات المحترفة في هذه الأندية يمكن استيعاب ما يتوقعه الشركاء العالميون عندما يقيّمون أي سوق جديد.

رحلتي في كتابة هذا العمل

كان هذا البحث تحديًا خاصًّا لأنه أجبرني على التفكير بعقلية «باحث في إدارة الرياضة» وبنظرة «محلل استثماري» في الوقت نفسه.

من جانب إدارة الرياضة، كان عليّ أن أضع إطارًا دقيقًا للمشكلة، وأربطها بأدبيات الاحتراف والتسويق والتطوير المؤسسي، وأبني «نظام رؤية» لا قائمة توصيات متناثرة. ومن جانب الاستثمار، كنت أطرح على نفسي الأسئلة التي يطرحها المستثمرون كل يوم: ما هو المنتج القابل للاستثمار تحديدًا؟ أين مصادر الإيرادات؟ كيف تُحمى الحقوق؟ من يضمن التنفيذ؟ كيف يُخفَّض منسوب المخاطر؟

أصعب ما واجهته – وربما أهمه – كان مقاومة إغراء العبارات العامة من نوع «نحتاج إلى جذب استثمار أجنبي». التحدي الحقيقي كان في اقتراح آليات وهياكل تجعل هذا الجذب ممكنًا في ظل قيود قانونية وإدارية وتشغيلية واقعية.

كما عكست الدراسة قناعتي بأن هذا الموضوع لا يعيش في فراغ؛ فهو متصل بتطوير الرياضة، ودرجة الاحتراف، وقوة الحوكمة؛ لأن الاستثمار العالمي لا يزدهر في بيئة احترافها منقوص أو مصداقيتها المؤسسية ضعيفة.

لمن يتوجه هذا العمل؟

حين تستثمر الشركات متعددة الجنسيات في الرياضة، تتوزع المنافع والمسؤوليات عبر المجتمع. لذلك يخاطب هذا البحث عدة أطراف:

  • صناع القرار والمنظمون في الرياضة، لأن جذب الاستثمار يعتمد على وضوح التشريعات، واستقرار المؤسسات، وإجراءات تتوافق مع توقعات الشركاء العالميين.

  • الأندية والاتحادات، لأنها الشريك المباشر في الرعاية، والترخيص، والبضائع، وتطوير البطولات، ولأنها مطالبة بتقديم عروض احترافية لا اتفاقات شفهية.

  • القطاع الخاص المحلي، لأن دخول الشركات العالمية يخلق سلاسل توريد وخدمات: وكالات تسويق، وشركات تنظيم فعاليات، وشركاء إنتاج، وتجارة تجزئة، وخدمات إعلامية.

  • اللاعبون والعاملون في الرياضة، لأن تدفقات الاستثمار قادرة – إذا حوكِمت جيدًا – على تحسين بيئة التدريب، والأجور، والخدمات الطبية، ومسارات التطور المهني.

  • الجماهير والمجتمعات المحلية، لأن الاستثمار الواسع يمكن أن يحسّن تجربة الملاعب، وجودة الإنتاج الإعلامي، واستدامة الأندية، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف التوقعات تجاه الشفافية والنزاهة.

بهذا المعنى، أثر الاستثمار لا يقتصر على لوحات الإعلانات، بل يتعلّق ببناء «اقتصاد رياضي» يخلق وظائف ويرفع المعايير المهنية.

ما العقبات الأكبر في نظري؟

حتى دون الدخول في كل التفاصيل الفنية، فإن العقبات الرئيسة التي تكشفها قراءة الموضوع مألوفة في كثير من الأسواق الرياضية النامية: غموض مسارات الاستثمار، محدودية الجاهزية المؤسسية، وغياب نظام واحد متكامل يخاطب الشركات متعددة الجنسيات بلغتها.

هذه الشركات تحتاج إلى قدر عالٍ من القدرة على التنبؤ: عقود يمكن إنفاذها، وعلامات تجارية يمكن حمايتها، ومنظمات قادرة على تقديم ما تعد به. إذا كانت هذه الأعمدة ضعيفة، فإن المستثمر إما يتجنب السوق أو يفرض شروطًا لا تخدم المصلحة الوطنية.

لذلك تعاملت الدراسة مع «الجذب» بوصفه مهمة بناء نظام: تحسين طريقة حوكمة الرياضة، وطريقة تغليف المنتج الرياضي وتسويقه، وكيفية حمايته قانونيًا، بحيث يصبح الاستثمار قرارًا عقلانيًا لا مغامرة عالية المخاطر.

ماذا أرجو أن تغيّر هذه الرؤية عمليًّا؟

إذا حقق هذا العمل هدفًا واحدًا، فأرجو أن يكون إعادة صياغة سؤال الاستثمار الرياضي في مصر. بدل أن يقتصر السؤال على: «من سيرعى؟»، أريد لصناع القرار أن يسألوا:

  • ما هو «المنتج الاستثماري» طويل المدى الذي تقدمه الرياضة المصرية؟

  • ما الحقوق المحمية؟ وكيف تُحمى تعاقديًا وقانونيًا؟

  • ما الهياكل التي تضمن استمرارية الشراكات حتى مع تغيّر القيادات؟

  • كيف نصمم الشراكات بحيث تخدم الأندية واللاعبين والمجتمعات، دون الإخلال بالأولويات الوطنية؟

وجود نماذج وجداول وهيكل للرؤية داخل البحث يعكس هذا التصور: الاستثمار ليس مجرد علاقة بين طرفين، بل «مسألة تصميم»، والتصميم يحتاج إلى بناء، وأمثلة، وعناصر قابلة للقياس.

كلمة شخصية أخيرة

كتبتُ هذا البحث لأنني مؤمن بأن مصر تمتلك مقوّمات حقيقية لتكون مركزًا إقليميًا قويًا للاستثمار الرياضي – خاصة في كرة القدم، ولكن أيضًا في رياضات أخرى. ما ينقصنا ليس الحماس، بل نظام احترافي يحوّل هذا الحماس إلى قيمة مستدامة.

ستذهب الشركات متعددة الجنسيات دائمًا إلى المكان الذي تلتقي فيه الفرصة مع البنية الواضحة. كان هدفي من خلال هذه الرؤية أن أساهم في بناء جزء من هذه البنية: بيئة رياضية مصرية واضحة، قابلة للاستثمار، منضبطة أخلاقيًا، تعود بالنفع على المؤسسات والقطاعات والناس، وتضع الرياضة المصرية في موقع أكثر حضورًا وجدية في خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي.

Share