كتبتُ «1000 سؤال وجواب في المجال الرياضي» لأنني كنت أبحث عن طريقة تجعل المعرفة الرياضية قريبة من الناس، لا حبيسة المراجع المتخصصة والقاعات الأكاديمية. بدأت الفكرة من ملاحظة بسيطة: معلومات قيّمة جدًّا موزعة على كتب ومقالات ومحاضرات متفرقة، بينما الطالب، والمدرب، والمهتم بالرياضة يحتاج «مرجعًا واحدًا» يعود إليه بسرعة فيجد السؤال والجواب بوضوح واختصار ودقة.
من خلال سنوات القراءة في علوم الرياضة وفروعها المختلفة، تراكمت لدي ملاحظات ومعارف متناثرة، فكبرت داخلي رغبة في جمعها وتنظيمها وتقديمها بأسلوب مشوّق. اخترت أسلوب السؤال والجواب عن قصد، اعتمادًا على خبرتي التدريسية؛ فقد رأيت عمليًا أن المعلومات عندما تُطرَح في شكل أسئلة مباشرة ثم إجابات مركّزة، تصبح أسهل في الفهم والحفظ والمراجعة، خاصة للطلاب المقبلين على الامتحانات أو الباحثين عن معلومة سريعة.
حرصت أن يكون كل سؤال يتبعه الجواب مباشرة، بلا إطالة ولا حاجة للتنقل بين الصفحات، حتى يحترم الكتاب وقت القارئ وجهده، ويمنحه «أقصى قدر ممكن من المعرفة» في أقل وقت ممكن.
تعمدت أن يكون الكتاب مبنيًا على آراء وكتابات علماء وباحثين موثوقين في المجال الرياضي، مع تحرّي الدقة قدر المستطاع في كل معلومة. شعرت طوال فترة الإعداد أن دوري ليس اختراع المعرفة من جديد، بل القيام بدور «أمين مكتبة» يجمع ويُنقّي وينسّق ويقدّم ما كتبه الآخرون بأسلوب أسهل وأقرب.
هذا الدور جعل مسؤولية التوثيق والمراجعة كبيرة: مراجعة أكثر من مصدر، المقارنة عند وجود اختلافات، والاختيار المتحفظ عندما لا يكون هناك اتفاق كامل بين المراجع. كنت أريد أن يكون الكتاب مرجعًا يمكن الوثوق به بالعربية، لا مجرد تجميع عشوائي.
بُني الكتاب على تسعة أبواب تعكس اتساع عالم الرياضة وتنوّعه:
باب أول عام: يأخذ القارئ في مدخل واسع يبدأ من الألعاب الأولمبية، ويعرّف بأنواع من الألعاب والرياضات، ويتناول قضايا مثل المنشطات، ليضع «خلفية عامة» قبل التخصص.
باب ثانٍ في الرياضات المائية: السباحة بأنواعها، الغطس، التجديف، الإنقاذ، الإبحار، اليخوت والقوارب. أردت أن أنقل للقارئ خصوصية الماء كبيئة أداء رياضي.
باب ثالث لألعاب القوى «أم الألعاب» و«ملكة الرياضات الأولمبية»، يجمع أسئلة حول مسابقات المضمار والميدان.
باب رابع لمجموعة من رياضات المضرب: تنس الطاولة، التنس، الهوكي، الريشة الطائرة وغيرها.
باب خامس للكرة الطائرة (تاريخ، قوانين، مهارات، والكرة الطائرة الشاطئية)، يليه في السادس باب لكرة السلة (تاريخ، بطولات، لوائح، مهارات أساسية).
باب سابع لكرة القدم (تاريخ أولمبي وعالمي، لوائح، مهارات، كرة القدم الشاطئية، كرة الصالات)، ثم ثامن لكرة اليد بأشكالها بما فيها اليد الشاطئية.
باب تاسع وأخير لفنون القتال والدفاع عن النفس: الكاراتيه، التايكوندو، المصارعة، الجودو، الملاكمة… في محاولة لوضع أساس معرفي لكل منها.
لم يكن هدفي أن أجعل القارئ «خبيرًا» في كل رياضة، بل أن أعطيه قاعدة صلبة تعرّفه على أهم المفاهيم، وتفتح له باب التعمق إن أراد.
بعد صدور الكتاب، فوجئت باتساع دائرة من استفادوا منه:
طلاب التربية الرياضية وأعضاء هيئة التدريس استخدموه ككتاب مساعد يكمّل المقررات، خاصة في الاستعداد للامتحانات والمناقشات. كثير منهم أبلغني أنه يحتفظ بالكتاب دائمًا على مكتبه كمرجع سريع.
المدربون في رياضات مختلفة استعملوه في تبسيط المفاهيم للاعبين، والاستفادة من تغطيته الشاملة لتوسيع معارفهم خارج تخصصهم الضيق، وهو ما كان من أهدافي: خلق «لغة مشتركة» بين الألعاب.
الإعلاميون والصحفيون الرياضيون وجدوا فيه مرجعًا عربيًا موثوقًا للمراجعة والتدقيق، الأمر الذي ساعد في تحسين دقة المحتوى الرياضي المنشور في بعض المنابر.
الهواة وعشاق الرياضة استخدموه لاكتشاف ألعاب لم يكونوا يعرفون عنها الكثير؛ الآباء والأمهات ذكروا لي أنهم يرجعون إليه للإجابة عن أسئلة أبنائهم، فتحول الحوار العائلي إلى مساحة تعلم مشتركة.
كل هذه الاستخدامات جعلتني أشعر أن الكتاب أدى الوظيفة التي صُمِّم من أجلها: جعل المعرفة الرياضية أقرب وأبسط، دون أن تفقد جديتها العلمية.
استغرق إعداد هذا العمل وقتًا وجهدًا كبيرين، وعلّمني احترامًا مضاعفًا لكل من يكتب مرجعًا علميًا؛ فالتجميع الدقيق من مصادر عديدة، وحل التضارب بين الأرقام والوقائع، والبحث عن الأصل الأقرب للصواب، كلها أعمال مرهقة لكنها ممتعة لمن يحب المعرفة.
خبرتي البحثية والأكاديمية في علوم الرياضة ساعدتني، لكن ما أثّر في منهجي فعلًا كان ما رأيته في قاعات الدرس: سرعة تفاعل الطلاب مع صيغة السؤال والجواب، وكيف أن هذا الأسلوب يفتح باب النقاش ويشجّع على طرح أسئلة جديدة بدل الاكتفاء بحفظ النصوص. لهذا حرصت أن يكون «منهج السؤال» هو روح الكتاب، لا مجرد ترتيبه الشكلي.
أعرف أن أي كتاب – مهما كان حجمه – لن يحيط بكل شيء؛ هناك تخصصات كان يمكن التوسع فيها أكثر، وألعاب كان يمكن أن تُغطَّى بتفصيل أكبر. لذلك ختمت العمل بسؤال التوفيق من الله، وطلب المغفرة عن كل نقص أو سهو أو خطأ؛ فهذا جهد بشر، والكمال لله وحده.
ما يطمئنني أن الكتاب أدّى وظيفته الأساسية: فتح الباب، لا إغلاقه؛ جعل المعرفة أسهل، لا أضيق؛ شجّع بعض القراء على مواصلة التعمق، وبعض الطلاب على اختيار مسار البحث العلمي في الرياضة.
رسالتي لكل من يقرأ الكتاب أن يتعامل معه كنقطة بداية، لا كآخر محطة؛ كل إجابة تقرؤها ينبغي أن تثير في ذهنك سؤالاً جديدًا، وكل معلومة تكتسبها يمكن أن تكون مدخلًا لتجربة عملية في الملعب أو لمشروع بحثي في المختبر أو لمقالة إعلامية أكثر دقة.
إلى الطالب الذي يستعد للامتحان، والمدرب الذي يبحث عن صياغة أوضح لمعلومة، والإعلامي الذي يريد تدقيق خبر، وعاشق الرياضة الذي يقرأ بدافع الشغف: هذا الكتاب كُتب من أجلك.
الرياضة تجمعنا حول قيم الانضباط، والمثابرة، والعمل الجماعي، والسعي نحو التميز؛ وإذا كان هذا العمل قد ساعد ولو قليلًا في توثيق المعرفة التي تقف خلف تلك القيم، وفي ربط «العلم» بما يحدث على أرض الملعب، فأنا أعتبر أن الجهد لم يضع سدى.
أسأل الله أن يجعل فيه النفع، وأن يكون لبنة في بناء مكتبة رياضية عربية أقوى، وجسرًا بين المعرفة النظرية والتطبيق الميداني لكل من يعمل أو يحلم في عالم الرياضة.