القيم بين الرياضة
والإحتراف
د. عبد اللطيف بن إبراهيم بخاري د. حماده عيد نوار العنتبلي
مقدمة
للقيم أهميتها بالنسبة للفرد والمجتمع فهى تمثل إطاراً
مرجعياً يحكم تصرفات الإنسان فى حياته ، كما أنها تمكنه من مواجهة الأزمات ، فهي
تحدد للفرد السلوك وترسم مقوماته ، وتعينه على بنيانه ، فهي تتغلغل فى حياة الناس
أفراداً وجماعات وترتبط عندهم بمعنى الحياة ذاتها ، كما أنها تحفظ للمجتمع تماسكه
وتحدد له أهدافه ومثله العليا لممارسة حياة اجتماعية سليمة ، كما أنها تسهم فى
تشكيل خصوصية المجتمع لأنها تمثل جانباً رئيسياً من ثقافة أي مجتمع ، فكما أن لكل
مجتمع ثقافته المتميزة فإن له قيمه التي تميزه عن غيره من المجتمعات الأخرى .
وإذ تحتل القيم مكانة هامة فى حياة الفرد والمجتمع فلها
أهميتها بالنسبة للرياضيين فتعمل على وقايتهم من الإنحراف وتساهم فى بناء شخصيتهم ،
وقدرتهم على التكيف مع الحياة ومشكلاتها ، كما أنها تعمل كموجهات لهم فى مجالات
الحياة المختلفة فتجعلهم أكثر قدرة على اتخاذ قراراتهم وإنهاء صراعاتهم ومواجهة
أزماتهم وتحدياتهم وتنمية مجتمعهم .
ولقد كانت الرياضة بمختلف أنشطتها ومنذ
نشأتها التاريخية كممارسة قائمة على أنها
منبعاً للترفيه البريء والتربية الأخلاقية والصحة وغرس قيم
الأخلاق عبر التنافس الشريف ، بل أنه دعاية لقيم
السلام حتى أن فكرة الأولمبياد في نشأتها التاريخية في
التاريخ القديم لليونان كانت دعوة لنبذ العنف والحرب ، ولقد نجحت فى الجمع بين الأطراف
المتحاربة أن تلتقي تحت رحاب الرياضة فى سلامٍ وأمان.
ولكن صدقت فى الرياضة المقولة التي تقول “متى ظهر المال وأصبح هدف فإنه يرسخ
قيم الفساد الأخلاقي” ولكن لم يكن التاريخ يتوقع أن تلك القيم السمحة التى تغرسها الرياضة ستصبح ذكرى بعد أن هيمن
المال على الرياضة وسادت قيم المال على قيم الرياضة ففسدت وفقدت كل معانيها وقيمها.
وهذا
هو واقع الرياضة اليوم الذي لم يكن يتوقعه أحد منذ أصبح المال هو
المحرك للرياضة ، وبعد أن كتب المال نهاية الهواية وظهر الإحتراف
الذي أصبح أكبر مجال للإستثمار وطغى على الهواية بعد أن
إرتفع سقف الهاوي نفسه للإحتراف ، وبعد أن أصبح الإحتراف من أكبر مصادر الثراء الفاحش ليس على مستوى اللاعبين وحدهم بل على مستوى المدربين
والوكلاء والسماسرة والتسويق الرياضى والإعلان .
وإنطلاقاً
من أن دور الباحث يشبه دور الجراح الذي يفتح بمشرطه الجروح الغائرة حتى يصل إلى
أسبابها ويعمل على علاجها حتى يلتأم هذا الجرح مستقبلاً فإننا نتقدم إليك أيها
القارئ الكريم بهذا الطرح عن القيم المستحدثة في ظل الإحتراف ، إيماناً منا بأن
هذه القيم أصبحت واقع الرياضة التي نعيشه جميعاً ، وتقف ملاعبنا الرياضية على
إختلاف أنواعها شاهداً على العديد من الممارسات التي تحدث بين جنباتها ؛ فلم تعد
الرياضة كما سبق الروح الرياضية والمكسب الشريف وأخلاق الفرسان ولكن بعد أن أصبحت
لغة المال هي اللغة الحاكمة والمسيطرة أصبح هناك مفاهيم أخرى مصاحبة للإحتراف مثل
الكذب وإدعاء الإصابة والغش والخداع ، وأن الغاية تبرر الوسيلة ، وتعاطي المنشطات
وسيلة لإعتلاء منصة التتويج مهما كانت العواقب التي قد تترتب عليها ؛ حتى أن هناك
إحدى الدراسات أجريت قبل إحدى البطولات وتم توجيه سؤال للاعبين المشاركين في
البطولة لو أخبرتك أنك ستتناول هذا المنشط وتعتلي منصة التتويج وتفوز بالبطولة
وبعدها قد تفقد حياتك ، فكانت الإجابة الصادمة أن غالبية اللاعبين أجاب أنه يقبل
تناول هذا المنشط ويعتلي منصة التتويج وبعدها يحدث ما يحدث .
لذا
فإننا نتوجه إليك أيها القارئ الكريم أياً كان موقعك في المؤسسات الرياضية برؤيتنا
حول القيم بين الرياضة والإحتراف أملاً أن يتمثل هذا الطرح بمثابة ناقوس خطر ندقه
لنبدأ في اتخاذ التدابير التي يمكن أن تحافظ على قيم الرياضة السامية وأن تظل
دائماً وسيلة لتهذيب النفس والروح وتربية الخلق السليم لدى النشء ، ولقد حاولنا في
هذا الكتاب بفصوله الأربعة أن نتدرج بالقيم بدايةً من تأصيل مفهوم القيم لغوياً
ودينياً وفلسفياً واقتصادياً وسياسياً وتربوياً ومصادر القيم وخصائصها وتصنيفها
وتعلم القيم والعلاقة بين القيم والتربية وكذلك القيم الأخلاقية وتصنيفها ، ثم
عرجنا بعد ذلك في فصله الثاني إلى الرياضة والقيم وتناولنا فيه الرياضة وخصائصها
وميثاقها الأخلاقي والقيم والقواعد المرتبطة بالرياضة ، وتطرقنا بعد ذلك في فصله
الثالث لقيم الإحتراف وتناولنا فيه الرياضة والإحتراف والهواية والإحتراف والفرق
بينهما ومفهوم الإحتراف وخصائصه ومقوماته والقيم السلبية السائدة في ظل الإحتراف ،
واختتمنا عرضنا بتناول نماذج لإنحراف القيم في ظل الإحتراف عرضنا فيه المظاهر
السلبية التي تُظِهر وجه قبيح يطل علينا في الملاعب الرياضية على اختلاف أنواعها
أملاً أن تكون بمثابة نقاط استلهام لباحثين ليتناولوا تلك الظواهر بالبحث العلمي وطرح
حلول لمواجهتها في المستقبل.
وفي
الختام لا ندعى أننا قد بلغنا الغاية وحسبنا المحاولة فالكمال لله تعالى ”
ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
الْعَظِيمِ ” ، ونرجو من الله عز وجل أن نكون وفقنا في هذا الكتاب وهذا الجهد
المتواضع في الإسهام في الإرتقاء بالرياضة بشكل عام ومواجهة ما قد يطرأ على الساحة
الرياضية من مظاهر سلبية تؤثر عليها وتسلبها قيمها النبيلة ، وأن يسهم في إثراء المكتبة الرياضية .
والله ولي التوفيق
المؤلفان