
زمان كنا بنقول إن العمر بيجري، وأجدادنا قالوا: “اللي سبق أكل النبق”.. وكمان قالوا “بعد العيد ما يتفتلش كحك” .. طيب مع التكنولوجيا والسوشيال ميديا هنقول إيه؟ يمكن نقول: “يا ريت اللي جرى ما كان.. أو ضاع العمر يا ولدي!“
عمرنا بيجري من بين إيدينا يوم ورا يوم، وأسبوع ورا الثاني، وشهر ورا شهر، وسنة ورا سنة، وفجأة نكتشف إننا كبرنا، وإن جزء كبير من عمرنا مرّ وكأنه ضاع في الهواء. ساعتها بنقول: «الوقت بيجري!».. لكن هل عمرنا سألنا نفسنا بجد: هو الوقت بيروح فين؟ وهل استثمرناه في حاجات مفيدة طورنا بيها نفسنا، أو عملنا بيها حاجة لها قيمة، ولا كنا مشغولين طول الوقت في «الولا حاجة»؟
“الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك”.. من المقولات اللي معظمنا بيرددها لحد ما أصبحت جزءًا من كلامنا اليومي. وبتوع الإدارة الإنجليز قالوا: “Time is Money” ، لكن أنا مؤمن إن الوقت مش فلوس.. الوقت هو الحياة “Time is Life“، وربما المشكلة مش إننا مش عارفين المقولات دي، بالعكس، إحنا حافظينها وبنكررها طول الوقت، لكن السؤال الأهم: هل إحنا فعلًا بنعمل بيها؟ هل إحنا مؤمنين بيها بجد، ولا مجرد كلمات حفظناها وبنقولها وقت ما تعجبنا؟ ربنا سبحانه وتعالى وهبنا كلنا 24 ساعة في اليوم، مش lمكن نزودها ولا ننقصها، والفرق بيننا مش في عدد الساعات اللي نملكها، ولكن في كيفية إدارتنا لها وكيفية استثمارها.
واللي هقوله هنا من خلال تجربة شخصية، مش من باب التنظير أو إعطاء دروس للآخرين. أنا عانيت شخصيًا من كتير من الأمور دي في مراحل مختلفة من حياتي، وحتى اليوم، وللأسف الشديد، بلاقي الشغل بيستهلك جزء كبير من وقتي وحياتي، لدرجة إن زوجتي دايمًا بتقول لي: “أنا حاسة إنك متجوز الشغل!“ وفي كتير من الأحيان تلاقيني مستمر في الشغل أو في إنجاز مهام العمل حتى بعد انتهاء وقت العمل، وأحيانًا لساعات متأخرة من الليل، لأني دائمًا بحب شغلي وبحب اللي بعمله، ودائمًا حاسس إن فيه حاجة تانية محتاجة تتعمل، ومهمة أخرى ممكن أنجزها. وللأسف الشديد، أقدر أقولها بكل صدق: “I live for work“، وفي أوقات كثيرة كنت مقتنع إن الوقت اللي هوقف فيه شغل هو الوقت اللي بدأت فيه أموت مهنيًا!
لكن مع الوقت بدأت أقتنع إن فيه فرق بين أن تحب عملك… وأن يصبح عملك هو كل حياتك. والأهم إن الوقت الإضافي اللي بتقدمه باختيارك ممكن يتحول مع الوقت إلى أمر معتاد في نظر الآخرين، ثم يصبح الاستثناء قاعدة، وما كنت بتقدمه بحماس يصبح في مرحلة لاحقة “حقًا مكتسبًا”. وعندما تحاول ترجع إلى حدود وقت العمل الطبيعية، ممكن تلاقي من يسألك: “إنت اتغيرت؟”.. والحقيقة إنك ما اتغيرتش، أنت فقط أدركت إن عندك حياة خارج العمل أيضًا.
والأمر لا يتوقف عند ذلك؛ فهناك أشخاص مثلي كثيرًا ما يذهبون في إجازة أو رحلة، لكنهم يأخذون معهم العمل بكل تفاصيله. تجدني يوميًا أفتح بريدي الإلكتروني، وأرد على الرسائل، وأتابع الاجتماعات، وأؤدي مهام العمل كما لو كنت داخل المكتب.. وهنا أوجه رسالة لنفسي قبل أي شخص يشبهني: العالم لن يتوقف إذا ابتعدت عن مكتبك يومين! وهنا يصبح السؤال: إذا كنت لا تستطيع أن ترتاح في إجازتك، فمتى سترتاح؟
وهناك من هو مثلي أيضًا ولا يستطيع أن يقول “لا”، فيفتح على نفسه أبوابًا من الالتزامات، ثم يبدأ في الشكوى من أنه لا يملك وقتًا، بينما الحقيقة أنه وزع وقته على الجميع ونسي أن يترك لنفسه ولأولوياته نصيبًا منه.
وفي المقابل، هناك نموذج آخر يملك الوقت لكنه لا يملك القدرة على إدارته؛ يؤجل المهام، ويهرب من المسؤوليات، وينشغل بأشياء كثيرة لا تضيف قيمة، ثم يصل إلى نهاية اليوم وهو يشعر أنه كان مشغولًا جدًا، رغم أنه لم ينجز أهم ما كان يجب أن ينجزه، مع أنه مقتنع أنه قام بكل شيء .. ودائمًا تجده يتحدث عن الأولويات، وعن إدارة الوقت، وعن ترتيب المهام، وعن الإنجاز.. وفي النهاية الإنجاز “صفر“!
ثم جاءت التكنولوجيا لتزيد الأمر تعقيدًا؛ محادثة تبدأ بدقائق وتتحول إلى ساعة، ونقاشات لا تنتهي ولا تغير شيئًا، وتصفح عابر يتحول إلى وقت طويل، وأحيانًا لعبة أو مقطع أو إشعار صغير يأخذ من يومنا أكثر مما كنا نتخيل. ثم نغلق الهاتف ونسأل بكل براءة: “هو الوقت راح فين؟“.. والواقع إن الوقت لم يذهب إلى أي مكان، إحنا اللي ضيعناه.
ولهذا أصبحت أرى أن إدارة الوقت ليست مجرد مهارة إدارية نستخدمها في العمل، وإنما هي في الحقيقة إدارة للحياة نفسها. أن نعرف ما هو مهم وما هو عاجل، أن نبدأ بالأهم ثم المهم، أن نخطط وننظم، وأن نتعلم التفويض، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، وإدارة الاجتماعات والعلاقات، والأهم أن نعرف متى نقول “نعم”، ومتى تكون كلمة “لا” هي القرار الصحيح.
وفي القيادة تحديدًا، ليس القائد الناجح هو الشخص الأكثر انشغالًا، ولا الشخص الذي يرد على كل رسالة في أي وقت، ولا الذي يحتفظ بكل المهام في يده حتى يشعر الجميع أنه لا يستطيع الاستغناء عن نفسه! القائد الحقيقي هو من يعرف أين يجب أن يضع وقته، وكيف يجعل وقت فريقه أيضًا أكثر قيمة. فالتفويض ليس تخليًا عن المسؤولية، وإدارة الأولويات ليست تجاهلًا لبعض المهام، وإنما هي القدرة على توجيه الجهد نحو ما يصنع الفرق.
وفي النهاية، علينا أن ندرك أن وقت العمل له حق، والأسرة لها حق، والراحة لها حق، ووقتك لنفسك له حق أيضًا. فالنجاح مش إنك تشتغل طول الوقت، وإنما إنك تعرف إمتى تشتغل، وإمتى تتوقف، وإمتى تعطي، وإمتى تقول «مش دلوقتي». لأن الوقت اللي بنعطيه للعمل على حساب الأسرة مش هنقدر نستعيده، والوقت اللي بنهدره في حاجات مالهاش قيمة مش هيرجع لما نحتاجه، وده هو جوهر ما يُسمى اليوم Work-Life Balance.
فالوقت مش مجرد ساعات بتمر على عقارب الساعة؛ كل دقيقة بتعدي هي جزء من أعمارنا، وكل قرار بناخده بشأن وقتنا هو في الحقيقة قرار بشأن جزء من حياتنا.
ولذلك ربما السؤال اللي لازم نسأله لنفسنا مش: “كم من الوقت عندي؟” وإنما: “أين أضع وقتي؟ ومن يستحقه؟ وماذا أريد أن أجد عندما أنظر يومًا إلى الوراء؟“
هنا فقط نفهم المعنى الحقيقي للمقولة: الوقت كالسيف.. إن لم تقطعه قطعك.
بقلم د. حماده العنتبلي