
هل المدير الناجح هو الذي يخاف منه الجميع… أم الذي ينجح الجميع معه؟
يستوقفني دائمًا الحديث عن الرضا الوظيفي، وأهمية أن يشعر الموظف بالتقدير والسعادة في مكان عمله. وهذا مهم بالتأكيد لتحقيق الإنجاز والإبداع، لكن أحيانًا أشعر أننا نتحدث عن الرضا الوظيفي وكأن المطلوب أن يخرج الموظف من مكتبه كل يوم وهو يرقص من السعادة… حتى لو لم ينجز شيئًا! وهنا يجب أن نفرّق بين بيئة عمل إيجابية وبيئة عمل بلا حساب.
فالتحفيز مهم، والمكافأة مهمة، وكلمة «أحسنت.. شكرًا» في وقتها ممكن تعمل أكتر من عشر خطابات إدارية. لكن ماذا نفعل مع من لا يعمل؟ ومع المقصر؟ ومع من يكرر الخطأ وكأن الخطأ أصبح جزءًا من الوصف الوظيفي؟
لأنك لو كافأت المجتهد وعاملت المقصر بنفس الطريقة… فلا تستغرب أن يتحول المجتهد إلى مقصر هو الآخر!
أنا مؤمن أن المجيد يجب أن يُكافأ ويُحتفى بإنجازه، لكن في المقابل لا يمكن أن نساوي بين من يعمل ومن لا يعمل، وبين من يتحمل المسؤولية ومن يقضي يومه في البحث عن «مبررات مقنعة» لعدم تحقيق النتائج.
وفي المقابل، أنا لا أدعو أيضًا إلى أن يتحول المدير إلى «غول» بمجرد أن يدخل المكتب، فيسكت الجميع وتتحول الاجتماعات إلى مراسم دفن جماعي للأفكار! فالخوف قد يجعل الموظف ينفذ، لكنه غالبًا لن يجعله يبدع.
لكن هناك مديرًا آخر لا يقل خطورة؛ ذلك الذي يخشى أن يحاسب أحدًا حتى لا يتأثر «الرضا الوظيفي»، فيترك المقصر يقصر، والمتأخر يتأخر، والمخطئ يكرر أخطاءه، وفي النهاية يصبح المجتهد هو أكثر شخص يشعر بالظلم: “اللي بيشتغل زي اللي ما بيشتغلش… كله بيقبض آخر الشهر وخلاص!“
ومن أمن العقاب أساء الأدب… ومن أمن المحاسبة تمادى في التقصير.
الثواب والعقاب ليسا اختراعًا إداريًا، وإنما جزء من طبيعة الحياة. لكن المشكلة ليست في العقاب، وإنما في كيف نستخدمه؟ ولماذا؟. العقاب ليس انتقامًا ولا إذلالًا، وإنما محاسبة على التقصير، وتصحيح للمسار، وحماية لحقوق باقي أعضاء الفريق.
وهنا تظهر قيمة المدير العادل؛ أن يعرف متى يقول للمجيد: “أحسنت، ونقدّر ما قدمت“، ومتى يقول للمقصر: “هذا غير مقبول، وعليك أن تتحمل مسؤولية ما قمت به“.
التحفيز بدون محاسبة قد يتحول إلى تدليل… والمحاسبة بدون تحفيز قد تتحول إلى إرهاب.
فالمدير ليس مطلوبًا منه أن يكون محبوبًا طوال الوقت، ولا أن يكون مخيفًا طوال الوقت. المطلوب أن يكون عادلًا طوال الوقت؛ يعرف متى يشكر، ومتى ينبه، ومتى يمنح فرصة، ومتى يتخذ قرارًا.
وهنا تأتي اللمسة الإنسانية في الإدارة: أن تعرف من يعمل معك، أن تسمعه، أن تقدر ظروفه، أن تشكره عندما يستحق، وأن تنبهه عندما يخطئ. فليس كل خطأ يستحق عقوبة، وليس كل إنجاز يحتاج إلى مكافأة مادية، لكن كل إنجاز يستحق التقدير، وكل تقصير متكرر يستحق المحاسبة.
ولكم في تجربة دولة الإمارات نموذج جدير بالتأمل؛ فالحديث عن السعادة والرضا الوظيفي أصبح جزءًا من منظومة إدارية تهدف إلى بناء بيئة أكثر إيجابية وتحفيزًا، مع وجود قياس ومؤشرات ومساءلة، وفي المقابل تجد كثيراً من الأخبار تصريحات صادره عن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم – نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزارء حاكم دبي “رعاه الله” عن معدلات الرضا الوظيفي وعن أن المؤسسات التي حققت معدلات رضا وظيفي أقل من 60% فإن مديروها مهددين بترك وظائفهم أن لم تتعدل هذه النسب وهو ما يعكس رؤية حكومة دولة الإمارات في أهمية الرضا الوظيفي لتحقيق أعلى معدلات الانجاز.
فالنجاح لا يصنعه «سيف المعز» وحده… ولا «ذهب المعز» وحده.
النجاح تصنعه منظومة يعرف فيها الجميع أن الإنجاز له تقدير، والتقصير له حساب، وأن المدير ليس موجودًا ليصطاد الأخطاء أو يوزع المكافآت، وإنما ليحقق العدالة ويحرك الجميع نحو الهدف.
المدير الذي لا يكافئ المجيد يقتل الحماس… والمدير الذي لا يحاسب المقصر يقتل الانضباط.
فلا تكن مديرًا يستخدم السيف في كل شيء… ولا مديرًا يوزع الذهب على كل شيء.
كن مديرًا يعرف متى يقول: “أحسنت”… ومتى يقول: “هذا غير مقبول“.
لأن الإدارة في النهاية ليست “سيف المعز” ولا “ذهبه”…
الإدارة عدل.
بقلم
د. حماده العنتبلي