عمرك سمعت عن الموظف النسمة؟ طيب عمرك حسيت بيه؟
لو عمرك ما حسيت بيه، فأنت محظوظ جدًا! لكن لو حسيت بيه قبل كده، فأغلب الظن إنك بمجرد ما تقرأ الكلام ده هتفتكر شخص معين في مؤسستك… وممكن كمان تفتكر أكتر من شخص!
الموظف النسمة هو ببساطة الموظف اللي وجوده زي عدمه. حاضر بجسمه، لكن تأثيره في الشغل شبه معدوم. تلاقيه في المكتب كل يوم، تشوفه وتسلم عليه كمان، لكن لما تسأل: عمل إيه؟ إيه اللي أضافه؟ إيه اللي أنجزه؟ تلاقي الإجابة محتاجة بحث وتحري وكأننا بندور على إبرة في كوم قش!
والأجمل إن “النسمة” مش بالضرورة يكون نايم على مكتبه أو طول اليوم على الموبايل. ممكن يكون شكله مشغول جدًا، بيتحرك، بيتكلم، يدخل اجتماعات، يرسل رسائل، ويقول لك بكل ثقة: “أنا عندي شغل كتير جدًا!” لكن لما تبص على النتائج… تكتشف إن كمية الكلام أكبر بكتير من كمية الإنجاز.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. المشكلة مش إن عندك موظف ضعيف أو محتاج تطوير؛ كلنا ممكن نمر بفترة يقل فيها الأداء، وكل موظف ممكن يحتاج تدريب أو توجيه أو دعم. المشكلة لما يتحول التقصير إلى أسلوب عمل، ويصبح ضعف الأداء شيئًا طبيعيًا، والأسوأ لما يكون الموظف نفسه مقتنع إنه بيؤدي شغله على أكمل وجه.
وده يقودنا إلى شخصية أخطر شوية: الموظف النسمة صاحب الشعور بالاستحقاق!

ده مش بس وجوده زي عدمه، ده كمان مقتنع إن المؤسسة مش مقدراه، وإنه يستحق أكتر، وإنه مظلوم، وإن الإدارة مش شايفة قيمته الحقيقية. ولو سألته: “طيب إيه اللي قدمته عشان تستحق كل ده؟” ممكن يبص لك ويقول: “هو إنت مش شايف أنا بعمل إيه؟!”
آه… إحنا شايفين، بس المشكلة إننا مش شايفين اللي إنت شايفه! 😂
وهنا لازم نقف عند مفهوم مهم جدًا: الاستحقاق مش مجرد شعور… الاستحقاق نتيجة.
من حق أي موظف يطالب بالتقدير والترقية والتطوير والمقابل العادل والفرص الأفضل، لكن لازم يكون عنده في المقابل أداء وقيمة مضافة ومسؤولية تتناسب مع اللي بيطالب به. ما ينفعش تكون أقل الناس التزامًا وأكثرهم مطالبة، وأقلهم إنتاجية وأكثرهم شعورًا بأنه يستحق.
والأخطر من “النسمة” نفسه هو تأثيره على باقي الفريق. تخيل موظفًا بيشتغل بجد، يلتزم بالمواعيد، يتحمل المسؤولية، ويطور نفسه، ثم يرى زميلًا آخر لا يقدم نفس المستوى، ومع ذلك يحصل على نفس التقدير والمزايا والفرص.
في البداية هيسكت. وبعد فترة هيسأل نفسه: “أنا بتعب ليه؟“
وهنا المؤسسة تبدأ تدفع ثمن “النسمة” من أفضل موظفيها.
لأن المشكلة مش بس في الموظف اللي ما بيشتغلش، المشكلة في المؤسسة اللي بتسمح له ما يشتغلش من غير نتيجة.
الإدارة الناجحة مش معناها إننا نعاقب كل شخص يقصر. الإدارة الجيدة تبدأ بالفهم، ثم التوجيه، ثم الدعم والتطوير، وبعدها التقييم والمساءلة.
لو الموظف عنده مشكلة، ساعده. لو محتاج تدريب، دربه. لو محتاج توجيه، وجهه. ولو عنده ظروف مؤقتة، افهم ظروفه وتعامل معاها بإنسانية.
لكن لو التقصير أصبح اختيارًا مستمرًا، وبعد كل الدعم والتوجيه والتقييم ما زال مصرًا عليه، فعدم اتخاذ القرار مش إنسانية… ده ظلم لباقي الموظفين.
لأن المؤسسة اللي بتحاول تحافظ على موظف ضعيف بأي ثمن، ممكن تخسر في المقابل موظفين أقوياء كانوا قادرين على صناعة فرق حقيقي.
وأنا مؤمن إن المؤسسة زي الجسم؛ لو ظهر خلل في جزء، أول خطوة هي التشخيص والعلاج، مش البتر. لكن لو أصبح الخلل مزمنًا، ورفض صاحبه العلاج، وبدأ يؤثر على باقي أجزاء المؤسسة، فلازم تكون عند الإدارة الشجاعة لاتخاذ القرار المناسب.
مش كل موظف محتاج استئصال… لكن كل مؤسسة محتاجة جهاز مناعة.
وجهاز المناعة المؤسسي مش معناه القسوة، لكنه يعني معايير واضحة، وأهداف قابلة للقياس، وتقييم عادل، ومساءلة حقيقية، ومكافأة لمن يستحق، وتصحيح لمن يحتاج، وقرار حاسم عندما يصبح استمرار المشكلة أخطر من حلها.
وفي رأيي، من أخطر الأمراض الإدارية إن المؤسسة تخاف من مواجهة موظف واحد، فتسمح له بالتأثير على ثقافة فريق كامل. لأن ثقافة العمل لا تُبنى فقط من اللوائح والسياسات، ولكن من ما تسمح به الإدارة، وما تكافئ عليه، وما تتغاضى عنه.
وعشان كده، لو عندك “موظف نسمة” في المؤسسة، ما تسألش بس: هو بيعمل إيه؟
اسأل السؤال الأهم:
إحنا كإدارة… ليه سمحنا له يفضل كده؟
لأن أحيانًا المشكلة مش في “النسمة”…
المشكلة في الشباك اللي سايب النسمة تدخل وتتحول لإعصار!
وللحديث بقية…