
عمرك سألت نفسك: هو أنا فعلًا عندي 20 سنة خبرة… ولا عندي سنة خبرة واحدة اتكررت 20 مرة؟ 😏
السؤال شكله بسيط، لكنه ممكن يزعل ناس كتير! لأن فيه ناس، من كتر ما قضوا وقت طويل في وظيفة أو مؤسسة، أصبحوا يطلقوا على نفسهم لقب “خبير“. وللأسف، في كتير من المؤسسات الحكومية، بيكون الترقي الوظيفي مرتبط بشكل كبير بالأقدمية، فأصبح من الدارج في أحاديث الزملاء، للتدليل على قوة الرأي أو مصداقيته، إن حد يقول لك: “أنا رأيي صح بالأقدمية!” وكأن عدد السنين أصبح شهادة اعتماد في حد ذاته!
لكن تعالى نسأل السؤال الأصعب: هل مجرد بقائي في وظيفة لعدد من السنوات، وأنا بعمل نفس الدور ونفس المهام بنفس الطريقة، معناه إني بقيت خبير فيها؟ وهل لو مؤسسة بتقدم نفس الخدمات، وبنفس الطريقة، وبتكرر نفس الإجراءات لسنوات طويلة، يبقى معنى كده إنها مؤسسة خبيرة؟
أنا هنا مختلف مع الرؤية التقليدية دي للخبرة. الخبرة مش بعدد السنين… الخبرة باللي عملته السنين دي فيك، وباللي عملته أنت خلالها في المكان.
ممكن شخص يقضي 20 سنة في مؤسسة ويتطور كل سنة، ويتعلم حاجة جديدة، ويخوض تجارب مختلفة، ويتولى مسؤوليات أكبر، ويطور طريقة العمل، ويصنع أثرًا واضحًا. وممكن شخص تاني يقضي نفس الـ20 سنة وهو بيعمل نفس الحاجة بنفس الطريقة، وكل اللي اتغير عنده هو رقم السنوات في الـCV! وهنا الفرق بين الأقدمية والخبرة.
الخبير من وجهة نظري هو الشخص الحريص على تطوير نفسه وإمكاناته باستمرار، وبالتالي تطوير قدرته على إحداث أثر إيجابي في المكان اللي بيشتغل فيه. هو الشخص اللي أثره بيظهر بوضوح في كل عمل يقوم به، مهما كان صغيرًا، والشخص اللي لما تواجهك مشكلة أو قضية معينة، تكون محتاج تعرف رأيه، وتكون واثق إن عنده إجابة مبنية على معرفة وتجربة وفهم، مش مجرد جملة محفوظة من أيام زمان.
لكن الشخص اللي بيعمل نفس الشيء كل يوم، بنفس الطريقة، ومن غير ما يتعلم أو يطور أو حتى يسأل نفسه “ليه؟”… آسف، الشخص ده مش خبير. ده شخص أصبح يعرف الدور اللي بيقوم به لأنه كرره آلاف المرات.
وممكن تكون المفاجأة الأكبر إنك تسأله: “إنت بتعمل كده ليه؟“ فلا يعرف. أو تسأله: “إنت بتعملها إزاي؟“ فيشرح لك الخطوات اللي بيعملها، لكن من غير ما يكون قادر يشرح لك المنطق أو السبب وراءها. وده فرق كبير بين شخص يعرف كيف يؤدي المهمة وشخص يفهم لماذا يؤديها وكيف يمكن تطويرها.
لكن استنى… فيه اختبار تاني مهم جدًا للخبرة. روح للخبير المزعوم وقوله: “ممكن تعلم فلان اللي إنت بتعمله؟“ هنا ممكن تلاقي وشه اتغير فجأة! 😂 ليه؟ لأنه شايف إن المعرفة دي مصدر قوته ومنطقة أمانه، وخايف إن حد تاني يتعلمها فيفقد الميزة اللي امتلكها لسنوات.
وهنا أحب أقول له: لو خبرتك ما تكبرش إلا وأنت مخبيها عن الناس، فدي مش خبرة… دي جزيرة معزولة!
الخبير الحقيقي مش بيخاف إن غيره يتعلم. بالعكس، هو عارف إن نقل المعرفة مش بيقلل من قيمته، لكنه يضاعف أثره. والقيادي الحقيقي مش هو اللي يخلي الفريق محتاجه في كل صغيرة وكبيرة، لكن هو اللي يبني فريقًا قادرًا على العمل والتطور حتى في غيابه.
وهنا نصل إلى نقطة أهم: الخبرة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تعرفه، ولكن بما تستطيع أن تضيفه وتنقله وتطوره.
عاوز تكون خبير؟ اتعلم واتطور. حاول تعمل حاجة جديدة. خليك حريص إنك تتعلم وتُعلّم. اخرج من منطقة الأمان، وتحدى إمكاناتك، واسمح لنفسك إنك تجرب وتغلط وتتعلم وتبدأ من جديد. لأن الانغلاق على النفس لسنوات طويلة مش معناه خبرة، والبقاء في منطقة الأمان مش هيعلمك حاجة جديدة ومش هيطورك.
ممكن تقضي عشرين سنة في مؤسسة، لكن الحقيقة إنك عندك سنة واحدة من الخبرة كررتها عشرين مرة!
ودي واحدة من أكبر الخدع المهنية اللي ممكن الإنسان يقع فيها؛ إنه يخلط بين طول المدة وعمق الخبرة، وبين التكرار والتطور، وبين الأقدمية والقيمة المضافة.
والأخطر إن بعض المؤسسات نفسها تقع في نفس الفخ. تفتخر بسنوات طويلة من العمل، لكنها لا تسأل نفسها: هل تطورت خدماتنا؟ هل تغيرت أدواتنا؟ هل تعلمنا من تجاربنا؟ هل أصبحنا أكثر كفاءة وتأثيرًا؟ لأن المؤسسة أيضًا لا تصبح خبيرة لمجرد أنها قديمة.
المؤسسة الخبيرة هي التي تتعلم من خبراتها، وتطور عملياتها، وتواكب التغيير، وتنقل المعرفة، وتخلق حلولًا جديدة، وتستفيد من أخطائها بدل ما تكررها كل سنة وتعتبر التكرار “خبرة”!
وعشان كده، ما تقعدش في مكانك، وكل معرفتك تكون هي الحاجة اللي اتعلمتها أول يوم اشتغلت فيه، وكل يوم تكرر نفس الشيء بنفس الطريقة، ثم تنتظر من الآخرين أن يطلقوا عليك لقب “خبير”.
الثبات في عالم متغير… معناه التراجع للخلف.
العالم بيتغير، والأدوات بتتغير، والتكنولوجيا بتتغير، واحتياجات الناس بتتغير، والمؤسسات نفسها بتتغير. وبالتالي، الشخص اللي لا يتغير ولا يتعلم ولا يطور نفسه، مهما كان عدد سنوات وجوده، ممكن يتحول من صاحب خبرة إلى شخص عنده تاريخ طويل في ممارسة طريقة قديمة.
والخبرة الحقيقية مش إنك تعرف تعمل الحاجة القديمة بشكل ممتاز فقط؛ الخبرة الحقيقية إنك تعرف إمتى تطور الحاجة القديمة، وإمتى تعمل حاجة جديدة، وإمتى تقول بكل ثقة: “أنا معرفش… بس هتعلم.”
وعشان كده، قبل ما تقول: “أنا عندي 15 أو 20 سنة خبرة“، اسأل نفسك سؤالًا أبسط وأصعب: خلال الـ15 أو الـ20 سنة دول… إيه اللي اتغير فيك؟ وإيه اللي اتغير بسببك؟
هل أصبحت أكثر معرفة؟ أكثر قدرة؟ أكثر تأثيرًا؟ هل طورت نفسك؟ هل طورت من حولك؟ هل تركت أثرًا في المؤسسة؟ وهل لو خرجت من المكان، ستظل خبرتك موجودة في الأشخاص والأنظمة التي ساهمت في بنائها؟
لو إجابتك نعم… فأنت غالبًا لا تملك سنوات طويلة فقط، بل تملك خبرة حقيقية.
أما لو كل اللي عندك هو عدد السنين… فدي أقدمية… مش خبرة.
وللحديث بقية…
بقلم د. حماده العنتبلي