بيئة العمل المحفزة وبيئة العمل السامة

أغسطس 29, 2026
Share

بيئة العمل المحفزة وبيئة العمل السامة

فيه مكان تشتغل فيه تحس إنك مش عاوز تمشي منه… ومكان تاني تشتغل فيه تحس إنك مش عاوز تروح له من الأساس!

يا ترى إيه الفرق؟

الفرق ببساطة اسمه بيئة العمل.

فيه مكان تشتغل فيه كل يوم وتحس إنك بتتعلم، وبتتطور، وبتبدع، وبتحقق حاجة لها قيمة. مكان يخليك تدخل الصبح بطاقة، وتخرج آخر اليوم حاسس إنك عملت حاجة تستحق. وممكن كمان تلاقي نفسك مش عاوز تمشي! وفيه مكان تاني تشتغل فيه تكره نفسك… مش بس الشغل! تدخل الصبح وأنت بتعد الساعات والدقائق لحد ما اليوم يخلص.

وده ببساطة الفرق بين بيئة العمل المحفزة وبيئة العمل السامة.

تعالى بقى أقولك على بعض ملامح كل واحدة، ولو لقيت نفسك في واحدة منهم… حاول تعرف إنت فين بالضبط.

في بيئة العمل المحفزة، بتحس إن الناس مش بتنافس بعض علشان توقع بعض، لكن بتساعد بعض علشان كلنا ننجح. مش مهم مين عمل أكتر، ومين ظهر في الصورة، ومين أخد التصفيق… المهم إن الفريق حقق النتيجة.

تلاقي الموظف بيساعد زميله، والخبرة بتتنقل من شخص للتاني، والنجاح بتاع واحد بيتشاف كأنه نجاح للجميع. ولو حد وقع، تلاقي إيد بتتمدد تساعده يقوم، مش مجموعة مستنية تشوف هيفشل إمتى!

والأجمل إنك في البيئة دي بتحس إنك بتتطور مش بس بتشتغل. كل يوم ممكن تتعلم حاجة جديدة، وتكتشف إن زميلك عنده حاجة يعلمها لك، وإن القائد مش خايف من إن فريقه يكون أفضل منه.

وهنا بيظهر دور القائد الحقيقي.

القائد في بيئة العمل المحفزة بيكون أشبه بـالمايسترو اللي بيقود أوركسترا متناغمة. مش مطلوب منه يعزف كل الآلات بنفسه، لكنه يعرف إمتى يخلي كل آلة تعزف، وإزاي يخلي كل نغمة تكمل النغمة اللي بعدها، وفي النهاية تطلع مقطوعة موسيقية جميلة.

القائد الشاطر مش بيحاول يكون هو النجم الوحيد في المؤسسة؛ هو بيخلي الفريق كله يلمع.

أما بقى بيئة العمل السامة… فدي حكاية تانية خالص!

هنا بتحس إن كله بيكره كله. الناس مشغولة بمين قال إيه، ومين عمل إيه، ومين أخد إيه، ومين قرب من المدير، ومين هيتترقى، ومين هيقع.

الشغل نفسه بييجي في آخر القائمة!

تلاقي السؤال الدائم مش: إزاي ننجح؟

لكن: أنا هستفيد إيه؟

وتبدأ المؤامرات الصغيرة، ونقل الكلام، وإخفاء المعلومات، ونسب مجهود الآخرين، والبحث عن الأخطاء بدل البحث عن الحلول. وتتحول المؤسسة من مكان المفروض إنه بيجمع الناس علشان يحققوا هدف مشترك إلى ساحة كل واحد فيها بيحاول ينجو بنفسه.

والأخطر إنك ممكن تحس إن ريحة الفساد طالعة من كل زاوية؛ مش بالضرورة فساد مالي، لكن فساد في السلوك، وفي العلاقات، وفي العدالة، وفي طريقة اتخاذ القرار.

وهنا غالبًا تلاقي المدير نفسه جزء من المشكلة.

مدير سلبي، لا يعرف يأخذ قرار، أو يخاف من اتخاذ القرار، أو بيهرب من المواجهة، أو يفرق بين الموظفين، أو يسمح لمجموعة صغيرة إنها تتحكم في المشهد.

وممكن تلاقي مديرًا لا يستطيع إدارة فريق من خمسة أشخاص، ومع ذلك أصبح مسؤولًا عن مؤسسة كاملة!

يا صديقي… ده مش مدير، ده محتاج حد يدير له نفسه الأول! 😂

والنتيجة الطبيعية؟ الموظف الجيد يبدأ في الانسحاب نفسيًا قبل ما ينسحب فعليًا. يقل حماسه، يقل إبداعه، ويتوقف عن تقديم أفضل ما عنده. وبعد فترة، إما يتأقلم مع البيئة السامة ويصبح جزءًا منها، أو يبحث عن أقرب باب للخروج.

وعشان كده، لو حظك السيئ رماك في بيئة عمل سامة، أول حاجة تعملها إنك ما تسمحش للبيئة إنها تغيرك.

حافظ على مهنيتك، اعمل شغلك بأمانة، راعي ربنا في كل اللي بتعمله، وما تدخلش في لعبة المؤامرات والصراعات حتى لو كل اللي حواليك بيلعبوها.

مش مطلوب منك تصلح مؤسسة كاملة لوحدك، ومش مطلوب منك تدخل كل معركة.

ركز على شغلك، وعلى قيمك، وعلى تطوير نفسك، وحافظ على سمعتك المهنية.

لكن في نفس الوقت… ما تقنعش نفسك إنك لازم تستحمل للأبد.

لو حاولت تتعامل مع الوضع، ومافيش تغيير، وأصبحت البيئة تستنزفك مهنيًا ونفسيًا، فكر في الخروج بشكل مهني ومدروس.

لأن الهروب من البيئة السامة مش فشل… أحيانًا يكون قرارًا ذكيًا لحماية نفسك ومستقبلك.

وفي النهاية، بيئة العمل المحفزة مش معناها إن مافيش مشاكل أو اختلافات أو ضغوط. بالعكس، كل مؤسسة فيها مشاكل وضغوط. الفرق الحقيقي هو كيف يتعامل الناس معها.

في البيئة الصحية، المشكلة تتحول إلى فرصة للتعلم.

وفي البيئة السامة، المشكلة تتحول إلى فرصة للوم والانتقام وتبادل الاتهامات.

وعشان كده، لو أنت قائد، اسأل نفسك: هل الناس عندي بتشتغل لأنها مقتنعة وعاوزة تنجح… ولا لأنها خايفة؟

ولو أنت موظف، اسأل نفسك سؤالًا أبسط:

المكان اللي أنا فيه… بيخليني أفضل، ولا بيخليني نسخة أسوأ من نفسي؟

لأن المؤسسة الناجحة مش بس اللي تحقق أهدافها وأرقامها…

المؤسسة الناجحة هي اللي تحقق أهدافها من غير ما تخسر الإنسان في الطريق.

وللحديث بقية

بقلم د. حماده العنتبلي