هروب جديد ليس الأول ولن يكون الأخير.. وكبش فداء جديد

أغسطس 27, 2026
Share

ماذا لو كان السؤال الخطأ هو: من المسؤول عن هروب اللاعب؟ بينما السؤال الأهم هو: لماذا هرب اللاعب من الأساس؟

استيقظنا اليوم على بيان من وزارة الشباب والرياضة يشير إلى هروب لاعب المصارعة محمد الشامي أثناء عودته من دورة ألعاب البحر المتوسط في تارانتو، إلى جانب واقعة مغادرة زياد حجاج للبعثة المصرية خلال بطولة العالم للشباب في سلوفاكيا وإحالة الواقعة إلى النيابة العامة، كما قررت اللجنة الأولمبية المصرية إيقاف رئيس وفد المصارعة وإحالته إلى لجنة القيم، في ضوء التحريات المبدئية بشأن وجود تقاعس وإهمال وتقصير في متابعة أحد أفراد البعثة.

وأنا هنا لا أتوقف عند حالة الهروب نفسها، ولا عند إحالتها إلى النيابة العامة أو إيقاف رئيس الوفد، فهذه إجراءات قانونية وإدارية لابد منها إذا ثبت وجود تقصير، ولابد من محاسبة من يثبت تقصيره. ولكن ما استوقفني هنا هو: هل هذه الواقعة تحدث لأول مرة؟ الإجابة بالطبع لا، فقد تكررت وقائع الهروب مرارًا وتكرارًا حتى أصبحت هاجسًا عند بعض المشاركات الدولية، وخاصة في رياضات الدفاع عن النفس، ولاسيما المصارعة والملاكمة، وكذلك رفع الأثقال في فترات سابقة.

وهنا لابد أن نتناول الأمر من زاوية أخرى، زاوية لا تبحث فقط عن شخص يتم إيقافه أو معاقبته ثم نغلق الملف، أو بالبلدي “كبش فداء”، وإنما نبحث عن الأسباب الحقيقية وراء تكرار هذه الظاهرة. لأننا إذا كنا في كل مرة نبحث عن شخص نحمله المسؤولية وننتهي عند ذلك، فنحن نعالج النتيجة ولا نعالج السبب. فهل المشكلة فعلًا في اللاعب الذي هرب، أم أن هناك منظومة وظروفًا جعلته يفكر في الهروب؟

وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا أصبحت المصارعة تحديدًا من الألعاب التي تتكرر فيها هذه الوقائع، رغم تغير مجالس الإدارات والمدربين والمسؤولين؟ ولماذا لا نرى الظاهرة بالحدة نفسها في ألعاب مصرية أخرى تحقق نجاحات وبطولات دولية كبيرة مثل الإسكواش والسلاح والخماسي والرماية وكرة اليد؟ بل إن رفع الأثقال نفسها مرت في فترات سابقة بمشكلة مشابهة. فإذا تغير الأشخاص وبقيت المشكلة، فربما المشكلة ليست في الأشخاص وحدهم.

هروب جديد ليس الأول ولن يكون الأخير.. وكبش فداء جديد

والأمر اللافت أيضًا أننا أصبحنا أحيانًا نهتم بالهارب أكثر من اهتمامنا باللاعب الذي فاز. اللاعب الذي يهرب يتحول إلى حديث الجميع، بينما قد تمر ميدالية حققها لاعب آخر في البطولة نفسها دون أن تحظى بالاهتمام نفسه. لماذا أصبح الهروب خبرًا أكبر من الانتصار؟ ولماذا نمنح الواقعة السلبية مساحة أكبر من الإنجاز الذي يفترض أن نفتخر به ونسلط عليه الضوء؟

وأعتقد أن غالبية المتابعين للشأن الرياضي يعلمون جيدًا أن الرياضات الفردية، ولاسيما رياضات الدفاع عن النفس، تعتبر بالنسبة إلى مئات بل آلاف الأسر المصرية محدودة الدخل ملاذًا وفرصة حقيقية للخروج من ظروف اقتصادية صعبة. الأب والأسرة يدفعون بالابن إلى ممارسة الرياضة، ويتحملون معه سنوات التدريب والمصاريف، ويصبح أملهم أن يحقق البطولات ويرفع علم مصر، وأن يكون نجاحه بداية لحياة أفضل له ولأسرته.

وبالفعل يتعب اللاعب ويجتهد ويعتلي منصات التتويج ويرفع علم مصر، ولكن ماذا بعد؟ هل البطولة تمنحه حياة كريمة؟ هل تمنحه وظيفة؟ هل تضمن له مستقبلًا بعد الاعتزال؟ وهل يشعر أن مستقبله ومستقبل أسرته أصبح أكثر أمانًا؟ في أحيان كثيرة قد لا تكون الإجابة بالقدر الكافي، وهنا يتحول الأمل إلى البحث عن فرصة أخرى، وقد تصبح المشاركة الدولية في نظر بعض اللاعبين فرصة للخروج من واقع اقتصادي واجتماعي صعب.

وهذا لا يبرر الهروب بأي حال من الأحوال، ولا يعفي صاحبه من المسؤولية القانونية، ولكنه يجعلنا نفهم الدافع بدلًا من الاكتفاء بالحكم على النتيجة. وليس كل لاعب يهرب بالضرورة هدفه التجنس أو اللعب تحت علم دولة أخرى، فقد يكون ببساطة يبحث عن فرصة عمل وحياة كريمة ومستقبل أفضل له ولأسرته. فهل كل لاعب هارب خائن لوطنه، أم أن وراء كل حالة قصة ودوافع وظروفًا يجب أن نفهمها قبل أن نحكم عليها؟

وفي المقابل، لا يمكن أن يكون كل اتحاد هو المتهم في كل واقعة، ولا كل مدرب ظالمًا أو مقصرًا، فهناك بالتأكيد مسؤولون ومدربون كانوا سندًا حقيقيًا للاعبيهم. ولكن إذا كانت هناك مجاملات أو غياب للعدالة أو تضارب للمصالح أو منح للفرص على أساس العلاقات بدلًا من الكفاءة والإنجاز، فهذه أمور يجب أن يتم التعامل معها بجدية، لأنها قد تفقد اللاعب ثقته في المنظومة التي ينتمي إليها.

كما أن تحميل أولياء الأمور المسؤولية من خلال توقيع إقرارات بتحمل المسؤولية في حال هروب أبنائهم لا يمكن أن يكون حلًا حقيقيًا للظاهرة. نحن لا نحتاج إلى ورقة تمنع الهروب، وإنما نحتاج إلى منظومة تجعل اللاعب نفسه لا يفكر في الهروب.

نحتاج إلى أن يكون الانضمام إلى المنتخب المصري شرفًا حقيقيًا، وفي الوقت نفسه بداية لمستقبل أفضل. نحتاج إلى حوافز عادلة، وأمان وظيفي، ورعاية اجتماعية، وضمان لمستقبل الأبطال، وخاصة في الرياضات الفردية التي يتحمل فيها اللاعب الجزء الأكبر من رحلة النجاح بمجهوده وتضحياته وتضحيات أسرته. فليس من المنطقي أن نتذكر اللاعب فقط عندما يحقق ميدالية، ثم نتركه يبحث وحده عن مستقبله بعد ذلك.

ونحتاج أيضًا إلى البحث بجدية في دور الوسطاء والسماسرة ومن قد يستغلون الظروف الاقتصادية لبعض اللاعبين، وهل الهدف هو الاستفادة من موهبتهم الرياضية أم أن بعض الحالات لا تتجاوز البحث عن فرصة للهجرة والعمل والحياة في الخارج. هذه أسئلة تحتاج إلى دراسة وتحقيق وفهم لكل حالة على حدة، وليس إلى اتهامات جاهزة.

لذلك نعم، نحاسب المقصر، ونحقق في الواقعة، ونطبق القانون، ولكن لا يجب أن نغلق الملف عند هذا الحد. لأن تكرار الظاهرة يعني أن المشكلة أكبر من لاعب هرب، وأكبر من رئيس بعثة أخطأ، وأكبر من مدرب أو اتحاد. إنها مشكلة منظومة تحتاج إلى مراجعة حقيقية تبدأ بفهم الأسباب ومعالجة جذور المشكلة، وليس فقط التعامل مع نتائجها.

فالخاسر الأكبر في النهاية ليس اللاعب وحده، ولا رئيس البعثة، ولا الاتحاد، وإنما الرياضة المصرية وسمعة مصر ومستقبل أبطالها.

فلا نريد في كل مرة أن يكون الحل هو البحث عن كبش فداء جديد، ثم ننتظر حتى تبدأ القصة من جديد.

نريد أن نعرف لماذا يهرب أبطالنا، قبل أن نسأل فقط: من سمح لهم بالهروب؟

بقلم:  د. حماده العنتبلي