الصورة واحدة… ليه بنختلف في رؤيتنا لها؟

سبتمبر 15, 2026
Share

الصورة واحدة… ليه بنختلف في رؤيتنا لها؟

ممكن يكون السبب إننا مش بنشوف الأشياء زي ما هي، ولكن بنشوفها بالشكل اللي بيعبر عننا… أو بمعنى تاني: كلٌ يرى الناس بعين طبعه. أو بالبلدي: “المحترم بيشوف الناس كلها محترمة… والحرامي بيشوف الناس كلها حرامية.“

الواحد فينا مش بيشوف الدنيا بعينه بس، لكنه بيشوفها من خلال تجاربه، ومعتقداته، وثقافته، ونجاحاته وإخفاقاته، وحتى الجروح اللي سابتها بعض المواقف جواه. علشان كده ممكن يقف شخصان أمام نفس المشهد، ويشوفوا نفس الشيء، لكن كل واحد منهما يخرج منه برؤية مختلفة… لأن كل واحد فينا لا يرى الصورة فقط، وإنما يراها من خلال العدسة التي كوّنتها حياته.

وممكن نشوف ده ببساطة في السفر. شخصين يسافروا لنفس البلد، ويرجع واحد منهم يقول: البلد كلها طبيعة خلابة، وناس محترمة، وبيوت عبادة، وتجربة جميلة. ويرجع الثاني يقول: البلد كلها أماكن سهر ورقص وانحلال أخلاقي. الاثنين كانوا في نفس البلد، وشافوا نفس الشوارع والأماكن والناس… لكن المختلف هنا مكانش المكان، وإنما عين كل واحد منهما وما كان يبحث عنه فيه.

والأمر مش بيقف هنا بس، حتى بعض الأمور العلمية اللي من المفترض إنها تكون ثابتة، ممكن تختلف رؤيتنا وتفسيرنا ليها حسب المدرسة أو المنهج اللي بننتمي له. يعني حتى مفهوم مثل الجودة، اللي ممكن يبدو للوهلة الأولى شيئًا واضحًا وثابتًا، ممكن يُرى من أكثر من زاوية.

ويُقال إن معيار الجودة لدى شركة سيمنز هو: أن يعود عملاؤنا إلينا مرة أخرى، لا أن تعود منتجاتنا. جملة بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقًا؛ لأن الجودة هنا لم تعد مجرد مواصفة في المنتج، وإنما أصبحت تجربة يعيشها العميل ويقرر من خلالها قيمتها.

وهكذا هي حياتنا…

قد أنظر أنا وأنت إلى الصورة نفسها، لكن كل منا يلتقط منها تفاصيل مختلفة. قد أرى في موقف ما فرصة، بينما تراه أنت مخاطرة. قد أراه درسًا، بينما تراه أنت إخفاقًا. وقد أرى شخصًا أخطأ فأحاول أن أفهم دوافعه وظروفه، بينما تراه أنت من خلال الخطأ فقط.

ومن هنا تبدأ كثير من خلافاتنا… فنحن لا نختلف دائمًا لأن أحدنا لا يفهم، وإنما لأن كل واحد منا يفهم من المكان الذي يقف فيه. وهذه من أهم الأشياء التي تعلمتها مع الوقت: ليس كل من يرى الأشياء بطريقة مختلفة عني مخطئًا، وليس كل ما أراه أنا هو الحقيقة الكاملة.

أحيانًا نحتاج فقط أن نغيّر مكاننا قليلًا، أن نبتعد خطوة عن الصورة، أو نقترب منها أكثر، حتى نكتشف أن ما كنا نظنه الحقيقة لم يكن سوى جزء من الحقيقة. وربما يكون النضج الحقيقي ليس أن نصل إلى مرحلة نرى فيها كل شيء بوضوح، وإنما أن نصل إلى مرحلة ندرك فيها أن رؤيتنا نفسها ليست الحقيقة الوحيدة.

ففي النهاية، الصورة قد تكون واحدة… لكن العيون التي تراها ليست واحدة.

وهنا يبدأ الفرق بين شخص يحاول أن يثبت أن رؤيته هي الصحيحة، وشخص يحاول أن يفهم لماذا يرى الآخر الصورة بطريقة مختلفة.

ومع الوقت، ما زلت أتعلم أن الحياة ليست فقط فيما يحدث لنا… ولكن في الطريقة التي نختار أن نراه بها.

د. حماده العنتبلي