الإبداع كإستراتيجية إدارية: لماذا درست الابتكار الإداري في المؤسسات الرياضية بدولة الإمارات

تصل كل مؤسسة رياضية في لحظة ما إلى نقطة تتوقف فيها الأساليب الإدارية التقليدية عن إنتاج نتائج جديدة. في هذه اللحظة، يحاول كثير من القادة «الضغط أكثر»؛ مزيد من الاجتماعات، مزيد من التقارير، مزيد من التحكم، لكن النتائج تظل كما هي. مع مرور الوقت، ازددت قناعة بأن ما تحتاجه العديد من المؤسسات الرياضية ليس «مزيدًا من الإدارة»، بل مزيدًا من الإبداع داخل الإدارة: طرق جديدة لحل المشكلات، وأساليب مختلفة للتواصل، وسبل أكثر ذكاءً لتمكين العاملين من تحمل المسؤولية والتصرف بوعي ومهنية.

هذا الإيمان هو ما دفعني – مع زميلي – لكتابة البحث العلمي بعنوان: «الإبداع الإداري كمدخل لتطوير إدارة المؤسسات الرياضية بدولة الإمارات العربية المتحدة». وفي هذه المقالة، التي أكتبها بصوتي الشخصي لمدونتي، أود أن أُلقي الضوء على هذه الدراسة، وأشارك رحلة إعدادها، وأوضح لماذا أرى أن الإبداع الإداري ليس ترفًا في المجال الرياضي، بل ضرورة عملية للأداء والاستدامة ونضج المؤسسات.

لماذا ركّزت على «الإبداع الإداري»؟

عندما يسمع الناس كلمة «إبداع»، كثيرًا ما يتجه تفكيرهم إلى الفنانين والمصممين وحملات الإعلانات. أما في الإدارة، فالإبداع يعني شيئًا آخر: القدرة على إنتاج أفكار جديدة ومفيدة، وتحويلها إلى قرارات أفضل، وأنظمة أفضل، وخدمات أفضل.

تعمل المؤسسات الرياضية في بيئات مشحونة بالضغوط: توقعات جماهيرية، ومتطلبات رعاة، وضيق في الوقت، وجداول مسابقات مزدحمة، واهتمام إعلامي متواصل. في مثل هذه البيئات، يصبح التفكير البيروقراطي الجامد مكلفًا؛ فهو يهدر الوقت، ويعيق المبادرة، ويدفع الكفاءات إلى السلبية. لذلك تعاملت الدراسة مع الإبداع باعتباره «مدخلًا» للتطوير؛ فعندما يصبح الإبداع جزءًا من الممارسة الإدارية اليومية، يتحول التطوير إلى عملية مستمرة لا موسمية.

سعت الدراسة إلى نقل الحوار من جملة عامة مثل «نريد التطوير» إلى سؤال أكثر تحديدًا: ما مكوّنات الإبداع الإداري داخل المؤسسات الرياضية؟ ما الممارسات التي تدعمه؟ وكيف يمكن بناء تصور تطبيقي لتطوير الإدارة في هذه المؤسسات يعتمد على الإبداع؟

أهداف الدراسة

تحددت للدراسة ثلاثة أهداف رئيسة:

  • التعرف إلى عناصر (مكوّنات) الإبداع الإداري في إدارة المؤسسات الرياضية.

  • التعرف إلى الممارسات الإدارية والعوامل التنظيمية التي تدعم الإبداع الإداري داخل المؤسسات الرياضية.

  • بناء تصوّر مقترح لتطوير إدارة المؤسسات الرياضية بدولة الإمارات العربية المتحدة في ضوء ممارسات الإبداع والابتكار الإداري.

كان لهذا البناء أهمية خاصة بالنسبة لي؛ فالإبداع ليس «خطاب تحفيز»، بل منظومة. إذا أردت أن تُنمّي الإبداع، عليك أن تحدد عناصره، وتفهم ما الذي يغذّيه، ثم تترجم ذلك إلى سياسات حوكمة، ومعايير اختيار، وممارسات يومية.

رحلتي مع الدراسة الميدانية

أُنجز هذا البحث بالاشتراك بيني (د. حمادة عيد نوار الأنتابلي) وبين د. هشام عبد الحليم محمود. استخدمنا المنهج الوصفي بأسلوب المسح، بما يتناسب مع طبيعة الموضوع، ويتيح لنا التقاط تصورات العاملين داخل المنظومة نفسها.

جاءت العينة كبيرة ومتنوعة عن قصد؛ فقد شملت العاملين في عدد من الأندية الرياضية: الأهلي دبي، الشباب (دبي)، الجزيرة (أبوظبي)، الشارقة، عجمان، رأس الخيمة، دبي، الفجيرة، اتحاد كلباء، الخليج (خورفكان)، ونادي زايد الرياضي، بإجمالي 200 مفحوص. كما تضمنت الدراسة العاملين في المجالس الرياضية (مجلس دبي الرياضي، مجلس الشارقة الرياضي، مجلس أبوظبي الرياضي) بعدد 30 مفحوصًا، والعاملين في الهيئة العامة لرعاية الشباب بعدد 16 مفحوصًا، والعاملين في مركز إعداد القادة بدبي بعدد 15 مفحوصًا، ليصل العدد الكلي للعينة إلى 261 مفحوصًا. واستخدمت عينة استطلاعية قوامها 30 مفحوصًا من خارج العينة الأساسية لحساب المعاملات العلمية لمتغيرات البحث. وقد كان الاستبيان الأداة الرئيسة لجمع البيانات.

ما زلت أذكر كيف أن هذا التنوع في الجهات جعل نتائج الدراسة أكثر قوة؛ فالإبداع الإداري ليس قضية تخص الأندية وحدها، بل قضية منظومية تمس الأندية، والمجالس، ومراكز إعداد القادة، والهيئات الوطنية المعنية بالشباب والرياضة.

ماذا كشفت النتائج؟ كيف يبدو الإبداع عندما يتحول إلى إدارة؟

أحد أهم ما توصلت إليه الدراسة أن المرتكزات الرئيسة للإبداع الإداري في إدارة المؤسسات الرياضية تتمثل في: الولاء التنظيمي، وحل المشكلات بأسلوب إبداعي، والعمل الجماعي. هذه التركيبة بالذات لافتة؛ فهي توحي بأن الإبداع ليس مجرد ذكاء فردي، بل يقوم على الانتماء (الولاء)، والتعاون (روح الفريق)، والقدرة على مواجهة التحديات بحلول جديدة لا تكرار روتيني للعادات القديمة.

كما حددت الدراسة عددًا من الممارسات التي تجسد الإبداع الإداري داخل المؤسسات الرياضية، من أبرزها:

  • المشاركة في اتخاذ القرار.

  • تفويض الصلاحيات.

  • إدارة الوقت بكفاءة.

  • الاتصال الفعّال.

  • الاهتمام بالعلاقات الإنسانية.

  • تقبّل المخاطرة المحسوبة.

  • تشجيع الأساليب الإدارية الحديثة والمبتكرة.

  • توفير الحوافز المادية والمعنوية للأفراد المبدعين داخل المؤسسة الرياضية.

تكتسب هذه الممارسات أهميتها من أنها تحول الإبداع من «فكرة» إلى «سلوك». فالإبداع يظهر عندما يُتاح للموظفين أن يشاركوا في القرار، وعندما يُمارَس التفويض بمسؤولية، وعندما تكون قنوات الاتصال صحية، وحين يرتبط التقدير والترقي بمستوى المبادرة والابتكار لا بمجرد الالتزام بالروتين.

التوصية الأكثر حساسية… والأكثر ضرورة في رأيي

من بين التوصيات التي انتهت إليها الدراسة، برزت توصية أعتبرها من أكثر النقاط حساسية؛ لأنها تمس منطقة ضعف شائعة في كثير من المؤسسات: الاختيار والترقي.

توصي الدراسة بتطبيق التصوّر المقترح لتطوير المؤسسات الرياضية بدولة الإمارات، من خلال وضع معايير جديدة لاختيار القيادات الإدارية وترقيتها، تُبنى على أساس الكفاءة والقدرة على الابتكار والإبداع، لا الاكتفاء بمعيار الأقدمية والتقارير الوظيفية التقليدية.

ربما تبدو هذه النقطة صعبة في التطبيق، لكنها – في نظري – جوهرية. فعندما تُبنى اختيارات القيادة أساسًا على الأقدمية، غالبًا ما تعيد المؤسسة إنتاج أنماط التفكير ذاتها. أما عندما يصبح «القدرة على الإبداع» جزءًا من معايير الاختيار، فإن المؤسسة تبعث برسالة واضحة: نحن نثمّن الابتكار، ونتوقع التطوير، ولا نكتفي باستنساخ الماضي.

لمن يمكن أن يفيد هذا البحث؟

رغم أن البحث يدور حول «الإدارة»، فإن آثاره تمتد إلى دوائر أوسع:

  • يستفيد الموظفون والإداريون لأن ممارسات دعم الإبداع تخلق بيئات عمل أكثر صحة، وتواصلًا أوضح، ومشاركة أعدل في حل المشكلات.

  • يستفيد اللاعبون لأن الإدارة الأكثر إبداعًا تحسّن تنظيم التدريب، وجودة الخدمات، وتدفق المعلومات، وكفاءة منظومة الدعم المحيطة بالفرق.

  • تستفيد الجماهير والمجتمعات المحلية لأن الإدارة الحديثة تسهم في تنظيم أفضل للفعاليات، واستجابة أسرع، وتجربة رياضية أكثر جودة.

  • يستفيد الرعاة والشركاء لأن المؤسسات المبدعة أكثر قدرة على التفعيل، والتواصل، وتحقيق قيمة مضافة للشراكات، خاصة عندما يكون اتخاذ القرار أسرع وأكثر استراتيجية.

  • يستفيد النظام الرياضي الإماراتي ككل لأن الإبداع يدعم القدرة التنافسية، ويحدث نقلة في مستوى الأداء المؤسسي عبر الأندية والهيئات.

باختصار، يتحول الإبداع الإداري إلى ميزة تنافسية حقيقية؛ ينعكس على جودة الخدمات، وجاذبية الاستثمار، والقدرة على التكيّف في أوقات الضغط والتغير.

تأمل شخصي ختامي

كتبت هذه الدراسة لأنني مؤمن بأن المؤسسات الرياضية لا تُقاس إنجازاتها بالكؤوس والبطولات وحدها، بل بقدرتها على بناء أنظمة تستمر. الإبداع واحد من أكثر الموارد استدامة يمكن للمؤسسة أن تطوّرها؛ لأنه مورد «يتكاثر» مع الزمن: عندما يشعر الناس بالثقة، ويتلقون التدريب المناسب، ويُمنَحون مساحة للمبادرة، ينتجون حلولاً لا يستطيع أي دليل إجراءات أن يتنبأ بها مسبقًا.

هذه الورقة هي دعوتي لقادة العمل الرياضي وإدارييه – خاصة في بيئات تتطور بسرعة مثل دولة الإمارات – إلى التعامل مع الإبداع باعتباره مدخلاً استراتيجيًّا للتطوير، لا قيمة تجميلية. ففي عالم الرياضة الحديث، المؤسسات التي تفوز باستمرار ليست فقط تلك التي تمتلك مواهب داخل الملاعب، بل أيضًا تلك التي تمتلك ذكاءً وابتكارًا داخل المكاتب.

Share