قيادة التغيير دون خسارة الناس: لماذا درستُ إدارة التغيير في أندية الإمارات الرياضية
التغيير كلمة قادرة على أن تُحمّس القادة وفي الوقت نفسه تُقلق الموظفين؛ وفي الرياضة – حيث النتائج علنية، والمشاعر مشتعلة، والتطلعات في صعود مستمر – لا يكون التغيير ترفًا، بل كثيرًا ما يكون الفارق بين نادٍ يتطور وآخر يكتفي بالبقاء. لهذا خصصتُ أحد جهودي البحثية لموضوع يقع في قلب الإدارة الرياضية الحديثة: إدارة التغيير كمدخل لتطوير الأداء الإداري في الأندية الرياضية.
بحثي بعنوان: «إدارة التغيير كمدخل لتطوير الأداء الإداري في الأندية الرياضية بدولة الإمارات العربية المتحدة» لم يُكتَب من وراء مكتب بعيد؛ بل وُلد من ملاحظات واقعية عن كيفية عمل الأندية، وكيف تُتخذ القرارات، وكيف يمكن أن تكون الروتينات الإدارية إما بوابة للتقدم أو عائقًا صامتًا أمامه. وفي هذه التدوينة، أقدّم هذا العمل بصوتي الشخصي، وأشارك رحلة إعداده، ولماذا أرى أن نتائجه تمس ليس الإداريين فقط، بل أيضًا الموظفين واللاعبين والجماهير والاقتصاد الرياضي ككل.
غالبًا ما تُقيَّم الأندية بنتائج المباريات والبطولات والنجوم، لكن هذه المخرجات المرئية ليست سوى القشرة؛ ففي العمق توجد منظومة إدارية مسؤولة عن التخطيط، والميزانيات، والاتصال، وتنمية الكوادر، وتقديم الخدمات. حين يكون الأداء الإداري ضعيفًا، قد يستمر النادي في تحقيق بعض الانتصارات لفترة – خاصة إن وُجدت مواهب كبيرة – لكن البناء الداخلي يكون هشًّا، وردود الأفعال تغلب على التخطيط، ويُترَك المستقبل لقدر من المصادفة أكثر من اعتماده على استراتيجية.
وفي الوقت نفسه يُساء فهم «التغيير» في كثير من الأندية؛ فهناك من يراه مجرد قرارات جديدة، أو لوائح جديدة، أو تغيير في الوجوه القيادية. بينما إدارة التغيير الحقيقية أعمق من ذلك بكثير؛ فهي منهج منظّم يوضح لماذا نحتاج التغيير، ويُعدّ الناس له، ويبني شراكة في صناعته، ويحوله إلى ممارسة يومية لا إلى حماس مؤقت. لهذا أردتُ أن أتناول إدارة التغيير لا كشعار، بل كمدخل عملي لتطوير الأداء الإداري في أندية الإمارات.
صيغت أهداف البحث لتنتقل بنا من الفهم إلى الفعل؛ إذ استهدفت تطوير الأداء الإداري في الأندية الرياضية بالإمارات من خلال مدخل إدارة التغيير، عبر:
توضيح فلسفة الأداء الإداري ونظامه في الأندية الرياضية.
التعرّف إلى مدى إلمام المسؤولين في الأندية بفلسفة وأساليب إدارة التغيير.
تحديد متطلبات تطوير الأداء الإداري في ضوء مبادئ إدارة التغيير.
يعكس هذا البناء قناعة أساسية لدي: لا يمكن فرض التطوير «عميانًا». قبل تقديم الحلول، لا بد من فهم ما يؤمن به الناس، وما الأساليب التي يستخدمونها، وما الشروط التي يجب توافرها ليُكتب للتغيير النجاح.
كان هذا البحث عملًا مشتركًا بيني (د. حمادة عيد نوار الأنتابلي – دكتوراه في الإدارة الرياضية، جامعة الإسكندرية)، والدكتور هشام عبد الحليم محمود (دكتوراه في الإدارة الرياضية – جامعة الشارقة)، والأستاذ علي بن محمد بن إبراهيم النعمان (ماجستير إدارة رياضية). أذكر هذه الأسماء لأنني أؤمن أن البحوث التطبيقية في الإدارة الرياضية تقوى بتعدد الخبرات والزوايا.
استخدمنا المنهج الوصفي بأسلوب المسح، مع عينة مختارة من العاملين في عدد من الأندية الإماراتية: نادي الأهلي الرياضي (دبي)، نادي الجزيرة الرياضي (أبوظبي)، نادي الشارقة الرياضي، ونادي الشعب الرياضي، بإجمالي 249 مشاركًا، إضافة إلى عينة استطلاعية من 35 مشاركًا من خارج العينة الأساسية لحساب المعاملات العلمية لأداة البحث. كان الاستبيان أداتنا الرئيسة لجمع البيانات.
وأود أن أشير إلى أن العمل الميداني داخل المؤسسات الرياضية لا يقتصر على «توزيع استمارات»، بل يعتمد على الثقة؛ فالموظفون والمسؤولون لا يجيبون بصدق إلا عندما يشعرون أن الهدف هو تحسين الواقع لا محاكمة الأفراد، وهذا النوع من البحث يتطلب صبرًا ووضوحًا واحترامًا لثقافة المؤسسة التي ندرسها.
أظهرت النتائج عددًا من النقاط التي أعتبرها مفصلية لمن يريد تطوير الأندية:
أولاً: ضعف الاهتمام بتدريب الموظفين على أسس علمية وموضوعية تنطلق من الاحتياجات الفعلية. في نظري، هذه ليست ثغرة إدارية بسيطة؛ فالتدريب هو محرّك التطوير. حين يغيب التدريب، أو يكون عشوائيًا، أو غير مرتبط بحاجات العمل، تبقى الفجوات المهارية كما هي عامًا بعد عام، مهما ارتفع خطاب «التطوير».
ثانيًا: الاعتماد المستمر على أساليب إدارية تقليدية لا تملك القدرة على التجديد ومواكبة التغيير. ربما تبدو هذه النتيجة مألوفة في مؤسسات عديدة، لكن في الرياضة يكون ثمن الإدارة المتقادمة أكبر: قرارات تحتاج سرعة، وموارد محدودة يجب تعظيم الاستفادة منها، وجماهير ورعاة وهيئات تنظيمية ترفع سقف التوقعات من النادي.
ثالثًا: ضعف أو غياب الشراكة بين الإدارة والعاملين في البحث عن حلول للمشكلات القائمة داخل النادي. وهذه النقطة تمس جوهر «إدارة التغيير»؛ فالتغيير الحقيقي لا يُعلَن من أعلى فقط، بل يُبنى أيضًا من أسفل ومن الوسط؛ لأن الموظفين هم من يحوّلون الاستراتيجيات إلى ممارسات يومية. عندما يشعر العاملون أنهم مبعَدون عن صنع الحلول، يتولد الرفض في صمت، وتفقد حتى الخطط الجيدة زخمها عند التنفيذ.
ركزت توصيات الدراسة على تحويل التغيير إلى عملية مؤسسية منظمة لا إلى رد فعل عابر.
أبرز التوصيات كانت ضرورة إعداد خطة استراتيجية مبنية على الاحتياجات والتوقعات الحالية والمستقبلية، باستخدام أساليب حديثة في إعداد الخطط، مع شرح هذه الخطة للموظفين وتمكينهم من المساهمة في تنفيذها. تعكس هذه التوصية حقيقة بسيطة لكن عميقة: الناس يدعمون ما يفهمونه، وينفّذون ما يشعرون أنهم شركاء في صياغته.
كما دعت الدراسة إلى تبنّي أسلوب حديث في إدارة التغيير يمكنه الارتقاء بالعمل الإداري في الأندية الإماراتية – ليس المهم اسم النموذج بقدر ما يهم الالتزام بفلسفة التغيير المنظّم: تشخيص الواقع، بناء الجاهزية، تنمية القدرات، متابعة التقدم، وإدامة التحسين بدل التعامل مع التغيير كـ«حملة» قصيرة الأجل.
البعض قد يظن أن «الأداء الإداري» شأن إداريين فقط؛ لكن أثره يمتد عبر المنظومة كلها:
الموظفون في النادي يستفيدون من نظم أوضح، وتدريب أفضل، وبيئة أكثر مشاركة وأقل هرميّة جامدة.
اللاعبون يستفيدون لأن جودة الإدارة تنعكس على الخدمات، واللوجستيات، والدعم الطبي، وبرمجة التدريبات والمشاركات، وكل ما يصنع البيئة الاحترافية حول الفريق.
الجماهير تستفيد عندما تتحسن تجربة حضور المباريات، ومستوى التواصل، وثبات أداء النادي تنظيميًا وتسويقيًا.
الرعاة والشركاء يستفيدون لأن النضج الإداري يرفع مستوى الثقة والشفافية والقدرة على الوفاء بالالتزامات التسويقية.
القطاع الرياضي الأوسع يستفيد لأن الأندية الأقوى إداريًا تعني مسابقات أكثر استقرارًا، ودوريات أكثر تنظيمًا، وقطاعًا أكثر جاذبية للاستثمار.
بهذا المعنى، تطوير الأداء الإداري ليس تحسينًا «خلف الكواليس»، بل هو إصلاح في العمق يمس الرياضة كصناعة وك مؤسسة اجتماعية.
أكدت لي كتابة هذا البحث قناعة راسخة: التغيير في المؤسسات الرياضية يجب أن يُدار بالعقل والقلب معًا؛ بالعقل، لأنه يحتاج تخطيطًا ونُظُمًا وأدوات، وبالقلب، لأن المؤسسات مكوّنة من بشر لا يمكن «تحديثهم» بضغطة زر دون أن يَسألوا أو يقلقوا أو يبحثوا عن معنى.
كان هذا العمل محاولتي لربط هذين البعدين؛ آمل أن يساعد قادة الأندية في الإمارات – وفي غيرها – على رؤية التغيير لا كاضطراب، بل كمسؤولية مهنية: مسار منظم، تشاركي، نحو أداء إداري أفضل ومستقبل رياضي أقوى.