من الشغف إلى السياسة: لماذا كتبتُ “دور شركات كرة القدم في دعم القرارات الاستثمارية في المجال الرياضي”

لطالما حملتُ قناعة بسيطة: كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل نشاط اقتصادي يحيط به عدد من الصناعات الحقيقية، وتقوم عليه وظائف حقيقية، ويمكن أن يضيف قيمة وطنية حقيقية إذا أُدير كما يجب. ومع ذلك، كلما عملتُ وراقبتُ وتحدثتُ مع أشخاص داخل الأندية والمؤسسات الرياضية، كنت أواجه السؤال الصعب نفسه: إذا كانت كرة القدم في مصر تستهلك موارد كصناعة قائمة بالفعل، فلماذا لا تزال القرارات الاستثمارية المرتبطة بها تُعامَل وكأنها حلول مؤقتة أو اجتهادات شخصية؟

هذا هو السؤال الذي دفعني إلى كتابة بحثي العلمي: “دور شركات كرة القدم في دعم القرارات الاستثمارية في المجال الرياضي”. في هذه التدوينة، أردت أن أبتعد عن النبرة الرسمية في نص البحث، وأن أتحدث مباشرة — من شخص إلى شخص — عن الهدف الحقيقي من هذه الدراسة، وكيف غيّرت رحلة كتابتها طريقة تفكيري، ولماذا أعتقد أن آثارها تتجاوز حدود الملاعب ومكاتب الأندية لتصل إلى صناعات وأشخاص كثيرين خارجها.

الفكرة التي لم تتركني

المشكلة الأساسية ليست أن كرة القدم المصرية تفتقر إلى الشعبية. على العكس تمامًا، فهي تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، وتأثيرًا ثقافيًا، وقيمة عاطفية تحلم بها معظم الصناعات. المشكلة أن الشعبية وحدها لا تصنع الاستدامة. فالاحتراف الكروي يحتاج إلى دخل يمكن التنبؤ به، وإنفاق منظم، وآليات حوكمة قوية، لأن الاحتراف ليس مجرد دفع رواتب أعلى للاعبين، بل هو نظام بشروط وعقود واستمرارية ومسؤولية مالية.

ومع التعمّق في الموضوع، وجدت نفسي أعود مرارًا إلى المقارنة التي يناقشها البحث: كثير من النماذج العالمية تتعامل مع الأندية كـ “شركات” هادفة للربح، متخصصة غالبًا في كرة القدم، تعمل بإدارة احترافية ضمن أطر قانونية تحمي الحقوق والعلامة التجارية وتدفقات الإيرادات. في المقابل، تتحمّل الأندية المصرية غالبًا أعباء رياضية واجتماعية متعددة، وتتحول نفقات كرة القدم إلى عبء ثقيل دون وجود مصادر تمويل مستقرة تكفي لدعم هذا المستوى من الإنفاق. بل يطرح النص البحثي سؤالًا مزعجًا بصراحة: هل نتعامل مع “مباراة ربح أم خسارة؟” عندما تنفق الأندية ببذخ بينما تعجز عن توليد الموارد التي تضمن استمرارية الاحتراف؟

ما الذي استهدفتْه الدراسة

عندما صممتُ البحث، لم أرِد له أن يكون نقاشًا نظريًا عن “اقتصاديات الرياضة”، بل خريطة عملية لصُنّاع القرار. لذلك سعت الدراسة إلى تحديد أربعة أبعاد رئيسية:

  • الأنشطة والوظائف التي يمكن أن تؤديها شركات كرة القدم لدعم القرارات الاستثمارية في الرياضة المصرية.

  • أنواع الاستثمارات داخل الأندية التي يمكن أن توفّر مصادر تمويل تدعم الاحتراف والرعاية في كرة القدم.

  • مصادر المعلومات التي يمكن لشركات كرة القدم الاعتماد عليها في دعم القرارات الاستثمارية.

  • التحديات التي يمكن أن تقلّل من فاعلية شركات كرة القدم في أداء هذا الدور داخل مصر.

باختصار: أردتُ أن أوضح ما الذي يمكن لشركات كرة القدم أن تفعله، وما الذي يمكن للأندية أن تبنيه، وما الذي يمكن لأنظمة المعلومات أن تدعمه، وما هي العقبات التي ينبغي إزالتها.

الجانب الإنساني في جمع البيانات

في نص البحث، ستجد منهجية واضحة: استخدمتُ المنهج الوصفي المسحي لأنه الأنسب لطبيعة المشكلة. لكن وراء هذه الجملة الفنية تجربة إنسانية جدًا: الإصغاء.

كانت العينة مقصودة التنوع، لأن القرارات الاستثمارية في الرياضة لا يصنعها طرف واحد. شملتُ موظفين من إدارات الأندية الرياضية ومناصب قيادية — أعضاء مجالس إدارة، مديرين تنفيذيين، مديري أنشطة، وموظفين في إدارات التسويق والاستثمار والإدارة المالية — في أندية مثل مصر للمقاصة، وبتروسبورت، وجولدي، ووادي دجلة، وMVB، والأهلي. كما ضمّت العينة موظفين من اللجنة الأولمبية، والمجلس القومي للرياضة، والاتحاد المصري لكرة القدم، إضافة إلى مستثمرين ورجال أعمال في المجال الرياضي، وخبراء كرة قدم، وإعلاميين، ليصل العدد الإجمالي إلى 187 مشاركًا.

لم يكن تصميم الاستبيان خطوة ميكانيكية؛ بل تطلّب عناية حقيقية بالوضوح والملاءمة والمصداقية. عُرضت الأداة على خبراء في إدارة الرياضة (سبعة خبراء)، وتحقّقت من الصدق والثبات عبر معاملات الاتساق الداخلي وقيم معامل كرونباخ ألفا على المحاور المختلفة (والتي تراوحت في البحث في حدود 0.87 إلى 0.93 تقريبًا). أُجريت الدراسة الأساسية من خلال مقابلات شخصية خلال فترة زمنية محددة عام 2017، تلتها معالجة إحصائية باستخدام المتوسطات والانحرافات المعيارية والنسب المئوية ومعاملات الارتباط واختبارات “ت” وكاي تربيع.

وما زلت أذكر كيف عزّزت هذه الرحلة حقيقة واحدة: أصحاب المصلحة قد يختلفون في التفاصيل، لكنهم غالبًا يتفقون على “نقاط الألم” الكبرى — خاصة عندما تتعلق الأسئلة بالتشريعات والحوكمة واستقرار التمويل.

ما الذي كشفته النتائج — ولماذا هو مهم

إذا كانت هناك نتيجة واحدة تستحق أن توضع في مقدمة أي نقاش حول الاستثمار في كرة القدم المصرية، فهي: أن كثيرًا من المشاركين اتفقوا بقوة على أن القوانين واللوائح الحالية لا تتيح الفرصة لشركات كرة القدم كي تؤدي دورها في دعم القرارات الاستثمارية في الرياضة المصرية. هذه ليست مشكلة فنية صغيرة؛ بل هي الأساس. فإذا لم تسمح التشريعات بتأسيس شركات كرة قدم تعمل بكفاءة، فإن أفضل خطط التسويق وأشد المستثمرين حماسًا سيصطدمون بحواجز هيكلية.

رسالة أخرى محورية كانت أهمية الرعاية على نطاق وطني. شدّد البحث على ضرورة تشجيع الشركات التجارية والاستثمارية الكبرى، وكذلك الهيئات الحكومية الكبرى، على رعاية فرق كرة القدم والبطولات التنافسية. أهمية ذلك أن الرعاية ليست مجرد “دعم”، بل يمكن أن تصبح شراكة طويلة المدى تجلب رأس المال والمصداقية والقوة التسويقية إلى المنظومة الرياضية عندما تكون الحوكمة واضحة.

كما حددت الدراسة أدوارًا عملية يمكن لشركات كرة القدم القيام بها لدعم القرارات الاستثمارية، مثل إعداد دراسات المؤشرات المالية التي تحفّز العملاء على الاستثمار، وتوفير معلومات مالية أساسية للمستثمرين، وإنشاء لجان متخصصة لدراسة احتياجات العملاء، وتقديم تقارير مكتوبة توضّح العائد والمخاطر وطبيعة القرار الاستثماري. هذه ليست وظائف “ترف فكري”، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الثقة في أي بيئة استثمارية.

وعلى مستوى الأندية، أشار البحث إلى استثمارات يمكنها دعم استمرارية الاحتراف، مثل البحث عن رعاة للأنشطة الرياضية والاجتماعية، وتقديم مزايا للرعاة لجذب المزيد منهم، واستثمار شعارات وألوان الأندية عبر منتجات، والتعامل مع نشاط كرة القدم كمشروع استثماري يُدار بعقلية اقتصادية بهدف تحقيق أرباح. مجتمعة، تشير هذه النتائج إلى خلاصة مهمة: كرة القدم المصرية لا تفتقر إلى الأصول، بل تفتقر إلى الآليات المنظّمة التي تحوّل الأصول إلى إيرادات مستدامة.

الصناعات والناس الذين يخاطبهم هذا العمل

عندما يسمع الناس مصطلح “شركات كرة القدم”، قد يظنون أن الموضوع يخص الإداريين الرياضيين فقط. أنا لا أرى ذلك. هذا البحث يوجّه رسائل إلى عدة فئات:

  • المستثمرون وقادة الأعمال، لأن الدراسة توضح مصادر المعلومات التي تُعد مفيدة (مثل الاتصالات المباشرة بالمستثمرين، التقارير السنوية، نشرات دعم القرار، نشرات البورصة، شركات السمسرة، والنشرات الاقتصادية للبنوك) والآليات التي يمكن أن تعزّز الثقة في اتخاذ القرار.

  • قطاعات التسويق والإعلان والتصنيع، لأن استثمار العلامة التجارية للأندية عبر المنتجات والشعارات والألوان والبضائع يعني سلاسل توريد وشراكات إنتاج واستراتيجيات توزيع، وليس مجرد “منتجات للجماهير”.

  • منظومة الإعلام والبث، لأن اقتصاديات كرة القدم الاحترافية عالميًا تعتمد بشكل كبير على حقوق البث والحقوق التجارية، ويبيّن النقاش في البحث كيف تشكّل هذه القنوات الإيرادية استدامة الأندية والبطولات.

  • صانعو السياسات والجهات التنظيمية، لأن أقوى العوائق التي ظهرت ترتبط بالبيئة القانونية والمؤسسية، وبدون إصلاحها ستظل كثير من التحسينات مؤقتة.

  • اللاعبون والعاملون والجماهير، لأن الاحتراف يؤثر في سُبل العيش، واستقرار العمل، وخدمات الأندية، والقوة طويلة المدى للمؤسسات التي يرتبط بها الناس عاطفيًا.

بمعنى آخر، أثر هذا العمل لا يقتصر على ميزانيات الأندية. بل يتعلّق ببناء اقتصاد رياضي أكثر صحة — اقتصاد يخلق وظائف، ويجذب استثمارات، ويحمي كرامة الاحتراف عبر الحوكمة والاستدامة.

ما الذي أوصيتُ به — وما زلت أؤمن به

كُتبت التوصيات في البحث لتكون قابلة للتنفيذ. من بينها التأكيد على ضرورة وجود استراتيجية مرحلية مستقرة لتأسيس شركات كرة القدم في مصر لا تتبدل مع تغيّر مجالس إدارات الاتحادات. كما أوصيتُ بتعديل قانون الهيئات الرياضية بحيث يتضمّن الجوانب الإدارية والتمويلية والهيكلية والاستثمارية والتسويقية والاحترافية، مع توفير مسار أوضح لتأسيس وإدارة شركات كرة القدم وتمكين الاستثمار الرياضي.

تركز توصيات أخرى على الاستفادة من تجارب الأندية الأوروبية اقتصاديًا، وضمان أن تمتلك شركات كرة القدم رؤوس أموال كافية (في صورة شركات مساهمة تطرح أسهمها للاكتتاب العام)، وتقوية وظيفة التسويق عبر إدارة مستقلة، وبناء أنظمة معلومات حديثة وفعّالة توفّر بيانات دقيقة لأصحاب المصلحة في الوقت المناسب. وأخيرًا، شددت على أهمية نشر الوعي من خلال مواد إرشادية تشرح أغراض الاستثمار وقنواته وعوائده ومخاطره، ودور البورصة وشركات كرة القدم في الاستثمار الرياضي.

لماذا هذا البحث شخصي بالنسبة لي

يُقدَّم العمل الأكاديمي غالبًا وكأنه بلا عاطفة، لكن هذا البحث لم يكن يومًا بلا عاطفة. لقد كان مدفوعًا بالقلق والمسؤولية والأمل: القلق من أن النموذج الحالي يعرّض الأندية لاستنزاف مالي، والمسؤولية لأن الباحثين ينبغي أن يتناولوا مشكلات وطنية حقيقية، والأمل لأن مصر تمتلك شعبية ومواهب وحجم سوق يسمح ببناء اقتصاد رياضي أقوى إذا تهيأت البيئة المناسبة.

إذا شجّع هذا العمل خطوة واحدة جادة — إصلاحًا في سياسة، أو تحوّلًا في استراتيجية نادٍ، أو زيادة ثقة مستثمر لأن المعلومات أصبحت أخيرًا منظّمة — فإنه يكون قد أدّى رسالته. كرة القدم تستحق إدارة احترافية، لا لأنها ترفيه فحسب، بل لأنها صناعة تقف خلفها حياة ومهن، وكل صناعة تستحق نظامًا يحمي مستقبلها.

Share