الرياضة كفصل دراسي لذوي الإعاقة: القوة الخفية للإعلام الرياضي

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل

كتبت هذا النص لأنني أرى الرياضة كـفصل اجتماعي كبير، لا كمباراة فقط؛ فصل يعلّم القيم، والسلوك، والهوية، والمواطنة، خصوصًا لذوي الإعاقة الذين يمكن أن تصبح الرياضة لهم بوابة للصحة والكرامة والانتماء، إذا ساعدهم الإعلام بدل أن يتجاهلهم.

لماذا اخترت ذوي الإعاقة لا الجماهير عمومًا؟

ركّزت بحثي على دور الإعلام الرياضي في نشر الثقافة الرياضية بين ذوي الإعاقة لأن ظهور رياضتهم في الإعلام غالبًا ما يكون إما معدومًا، أو عاطفيًا سطحيًا، أو استثنائيًا في مناسبات محدودة، بدل أن تُقدَّم كمنظومة لها قواعدها ونظمها وقيمتها التنموية. أردت الانتقال من الانطباع إلى القياس العلمي، فطرحت سؤالًا مباشرًا: كيف يسهم الإعلام الرياضي فعلًا في تشكيل ثقافة رياضية لدى ذوي الإعاقة… وأين يقصّر؟

ماذا أقصد بـ«الثقافة الرياضية» هنا؟

في هذا السياق، لا أعني هتافات المدرّجات أو «الترندات»، بل منظومة المعرفة والقيم والسلوك التي تحدد كيف يفهم الشخص ذو الإعاقة الرياضة، وهل يقرر المشاركة فيها وكيف. تشمل هذه الثقافة: وعيًا بفوائد النشاط البدني للصحة وإعادة التأهيل، وفهمًا للتدرّب الآمن والوقاية من الإصابة، وإدراكًا لدور التغذية، ومعرفة بمخاطر الخمول، وتقديرًا لقيم التعاون واللعب النظيف والاحترام، وقبل ذلك وبعده إحساسًا حقيقيًا بأن له مكانًا وحقًا أصيلًا في الملعب.

عندما تكون الثقافة ضعيفة… ماذا يحدث؟

ضعف هذه الثقافة له نتائج ملموسة: كثير من ذوي الإعاقة يتجنبون الرياضة خوفًا من الإصابة أو جهلًا بفوائدها، والأسر تتردد في التشجيع لغياب المعلومات الموثوقة، والأندية تجد صعوبة في توسيع برامجها لأن قاعدة المشاركين ضيقة، فنعجز جميعًا عن تحقيق هدف أساسي من أهداف التطوير الرياضي: توسيع قاعدة المشاركة الآمنة والهادفة.

كيف حاولت الدراسة الإجابة عن الأسئلة الصعبة؟

اعتمدت الدراسة المنهج الوصفي بالمسح، واستهدفت المدربين والإداريين العاملين مع رياضيين ذوي إعاقة، بعينة ميدانية تتجاوز مئتي مشارك، مع عينة استطلاعية لاختبار صدق وثبات الاستبيان. الهدف كان واضحًا: الانتقال من «الشكوى» إلى الدليل، عبر قياس تصورات من يعيشون الواقع يوميًا داخل الأندية والهيئات.

ماذا يفعل الإعلام بشكل صحيح؟

أظهرت النتائج اعترافًا بدور مهم للإعلام الرياضي في:

  • ترسيخ القيم الاجتماعية المقبولة حول ذوي الإعاقة.

  • تشجيعهم على الالتحاق بالمؤسسات الرياضية.

  • إبراز أهمية النشاط البدني للصحة وإعادة التأهيل.

كما أشار المبحوثون إلى قيمة تغطية البطولات البارالمبية، وتقديم الرياضيين ذوي الإعاقة كنماذج يُحتذى بها، واستخدام صيغ جذابة لشرح الجوانب الفنية للرياضة البارالمبية. وعندما يؤدي الإعلام هذه الأدوار، فهو لا يرفّه فقط، بل يعرّف ويحفّز ويُطبع حضور ذوي الإعاقة في المشهد الرياضي العام.

أين يفشل الإعلام تجاه رياضة ذوي الإعاقة؟

في المقابل، أظهرت الدراسة مشكلات متكررة، منها:

  • ندرة البحث والتقييم العلمي لدور الإعلام في هذا المجال مقارنة بالسياقات الدولية.

  • غياب خطة إعلامية متكاملة مخصّصة للرياضة البارالمبية، مع نقص في الرؤية الإستراتيجية التي توجّه التغطية.

  • ضعف تطبيق المعايير العلمية والمهنية في اختيار القصص وطريقة عرضها، وانخفاض عدد البرامج التثقيفية الموجهة مباشرة لذوي الإعاقة وأسرهم.

  • استمرار بعض الصور النمطية، مثل التركيز على البعد «الخيّري/الإلهامي» بدل التركيز على الكفاءة الرياضية والحقوق المتساوية.

هذه الصورة المختلطة تعني أننا لا نتعامل مع فراغ كامل، بل مع حضور غير منظم: تأثير موجود، لكن دون مسؤولية واستراتيجية كافية.

أي «هوية» يختارها الإعلام الرياضي؟

تطرح النتائج سؤالًا صعبًا على صناعة الإعلام الرياضي: ما الهوية التي تريد تبنّيها تجاه ذوي الإعاقة ورياضتهم؟ إذا قبل الإعلام أنه يشارك في تشكيل الثقافة الرياضية، فإن «الحياد» وهم؛ فكل اختيار – ماذا نعرض؟ كيف نصوغ اللغة؟ من نستضيف؟ – إما يعزز ثقافة الدمج أو يضعفها.

تقديم رياضة ذوي الإعاقة كاستثناء موسمي يكرّس الشعور بالاختلاف، بينما تقديمها بانتظام وبنفس الجدية الممنوحة للرياضات الأخرى يساعد ذوي الإعاقة والجمهور معًا على رؤيتها كجزء أصيل من المنظومة.

كيف تبدو «المسؤولية الثقافية» عمليًا؟

المسؤولية الثقافية هنا عملية جدًا، وتشمل مثلًا:

  • شرح قواعد التصنيفات البارالمبية بوضوح، ليعرف المتابع أن المنافسة عادلة ومنظمة.

  • إبراز الفوائد الصحية للنشاط البدني، والمخاطر المرتبطة بقلة الحركة، خاصة عندما تكون الإعاقة نفسها مرتبطة بتحديات صحية.

  • تقديم معلومات موثوقة عن الممارسة الآمنة، والوقاية من الإصابة، والتأهيل، بدل الاكتفاء بالمشاهد الانفعالية.

  • عرض نماذج إيجابية دون تحويلها إلى «أبطال خارقين» غير واقعيين، واحترام من يحقق إنجازات بسيطة لكنها فارقة في حياته.

كما تعني مقاومة منطق الاستفزاز والجدل العدائي الذي قد يجذب المشاهدة على المدى القصير لكنه يرسّخ صورًا نمطية مؤذية حول الإعاقة.

من المستفيد عندما ننجح في ذلك؟

الفوائد تتجاوز الأفراد المشاركين في الرياضة:

  • الأسر تحصل على بوصلة أوضح في دعم أبنائها وبناتها.

  • الأندية والهيئات تجد قاعدة أوسع من المشاركين، ما يبرّر الاستثمار في البرامج والمنشآت.

  • أنظمة الصحة تستفيد من ارتفاع معدلات النشاط البدني بين ذوي الإعاقة، بما يخفّف أعباء الخمول.

  • وسائل الإعلام التي تختار خطابًا مسؤولًا تبني مصداقية وولاءً طويل المدى.

  • المجتمع كله يستفيد عندما يصبح أفراده – بغض النظر عن القدرة – مرئيين، وفاعلين، ومعترَفًا بهم في الحيّز العام.

تأمل ختامي: هل الرياضة حقًا «للجميع»؟

لم أكتب هذا البحث من موقف عداء للإعلام الرياضي، بل من إيمان بقوّته؛ فالإعلام نفسه كان شريكًا في صناعة الأبطال، وصياغة الذاكرة الرياضية، وربط المجتمعات حول أحداث مشتركة. السؤال الآن: هل سيمتد هذا الدور ليشمل ذوي الإعاقة بوصفهم جزءًا ثابتًا من القصة، لا فقرة موسمية؟

أعتقد أن رياضة ذوي الإعاقة واحدة من أوضح اختبارات صدق شعار «الرياضة للجميع»؛ فالقول سهل، أما بناء الثقافة والنظم والسرديات التي تجعل الشعار واقعًا فعمل طويل. لن يحل الإعلام كل مشكلات الرياضة البارالمبية، لكنه يستطيع أن يفعل شيئًا أساسيًا: أن يكرر، يومًا بعد يوم، أن ذوي الإعاقة ليسوا خارج قصة الرياضة… بل في قلب حاضرها ومستقبلها.

Share