الملعب عندما يصبح جسرًا: لماذا كتبتُ عن الرياضة والسلام في المنطقة العربية

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل

كتبتُ هذا العمل لأنني لا أرى الرياضة ترفيهًا منفصلًا عن واقع الصراع في عالمنا العربي؛ أراها مؤسسة اجتماعية قادرة إما على إشعال الانقسام، أو على بناء مساحات صغيرة من الاحترام المشترك وسط ضغط الهويات الجريحة والاصطفافات الحادة. في بيئة يتشكل فيها يوم الناس بأخبار الحرب والاضطراب، يصبح كل ملعب وكل نادٍ وكل بطولة فرصة: إما لزيادة التوتر، أو لتحويل التنافس إلى لغة للتعايش بدل أن يكون امتدادًا للخصومة.

لماذا يجتمع السلام والرياضة في دراسة واحدة؟

الرياضة فضاء منظم: فيه قواعد، وتوقّع للعدالة، واعتراف «بالآخر» كمنافس شرعي لا كعدو. في المجتمعات المشحونة، تنسحب هذه القواعد من الحياة اليومية؛ فينكمش الناس داخل دوائرهم الضيقة، وتقسو السرديات، وتصبح الشكوك عُرفًا. في أفضل حالاتها، تعيد الرياضة بناء جزء من «الحياة المشتركة»: مدرج، ملعب، نادٍ، دوري، أو برنامج شبابي يجتمع فيه المختلفون تحت قوانين واضحة وحماس مشترك.

اعتمدتُ في هذه الورقة على أدبيات الصراع وإدارته في السياق الرياضي والمجتمعي، وعلى مراجع تربط بين الرياضة وبناء السلام في إطار أوسع من التعليم والثقافة والتنمية الإنسانية، حتى لا يبقى الحديث عن «الرياضة من أجل السلام» شعارًا، بل موضوعًا بحثيًا يُصمَّم ويُقيَّم بأهداف وآليات ونتائج.

أصعب ما في الكتابة: الصراحة مع الوجهين

كان التحدي الأكبر أن أقاوم اللغة الرومانسية؛ فالجميع يحب أن يردد أن «الرياضة تجمع الناس»، لكن الواقع أكثر تعقيدًا:

  • المباراة يمكن أن تكون عيدًا للتسامح، أو مسرحًا للغضب والهويات المتصارعة.

  • السلام لا يُبنى بحدث واحد، بل بمنظومات: برامج للشباب، وتربية، وحوكمة عادلة، وإجراءات ضد التمييز، ورسائل منسقة عبر المؤسسات.

لهذا انطلقت من مبدأين: أن الرياضة يمكن أن توحّد أو تقسم، وأن بناء السلام يحتاج فهمًا عميقًا لدوافع الصراع، ثم تدخلات تقلّل من هذه الدوافع بدل الاكتفاء بحسن النية.

ماذا تحاول الورقة إبرازَه؟

تقدّم الورقة حجة أساسية: للرياضة أدوار ممكنة في تخفيف حدة الصراع ودعم السلام في المنطقة العربية، بشرط أن تُدار بوعي مؤسسي، لا أن تُترَك لعفوية اللحظة.
تربط النقاش بضغط الصراعات الداخلية والإقليمية، وتُذكّر بأن العمل من أجل السلام في بيئة متوترة يختلف عن العمل في بيئة مستقرة؛ فهو يحتاج حساسية أكبر، وضمانات، وتخطيطًا طويل المدى، حتى لا تتحول المبادرات الرياضية نفسها إلى ساحات استقطاب جديدة.

كيف يمكن للرياضة أن تخدم السلام عمليًا؟

من منظور الإدارة الرياضية، تساهم الرياضة في السلام عندما تخلق «خبرات صغيرة متكررة» للتعايش تُراكِم ثقةً وعلاقات عبر الزمن؛ فالسلام ليس غياب السلاح فقط، بل حضور فرص عادلة وعلاقات أقل توترًا. يمكن تحقيق ذلك عبر:

  • برامج شبابية تدمج مشاركين من خلفيات مختلفة تحت قواعد واضحة للتعاون والاحترام.

  • بطولات تُصمَّم لغرس قيم الشمولية والاحترام المتبادل، لا الإذلال والكراهية.

  • أندية تعمل كمؤسسات مجتمعية تقدّم بيئة آمنة، وإرشادًا، وهوية بديلة عن العنف.

  • تبادلات وبطولات إقليمية تُنسّس المسافة النفسية بين «نحن» و«هم» وتحول الصورة النمطية إلى تجربة إنسانية مباشرة.

الفكرة أن الملاعب والمعسكرات والبرامج يمكن أن تصبح منصات تربوية حيّة للسلام، لا فضاءات منفصلة عن الواقع.

لمن يتوجه هذا العمل؟

خطاب «الرياضة والسلام» لا يخص المدربين واللاعبين وحدهم، بل يمسّ:

  • الشباب والأسر: لأن الشباب أكثر من يتعرض لخطابات الكراهية والتجنيد، والرياضة يمكن أن تقدّم لهم هوية وانتماءًا منضبطًا خارج مسارات العنف.

  • المدارس والجامعات: فبرامج الرياضة فيها يمكن أن تصبح تعليمًا عمليًا للسلام والتعايش، لا مجرد حصة نشاط.

  • الاتحادات والأندية: لأن أسلوب الإدارة والتنظيم يحدد إن كانت المنافسة ستُدار باحترام أم ستُنقل فيها معارك الشارع إلى الملعب.

  • الإعلام: لأن طريقة تغطية الأحداث الرياضية قد ترفع من شأن الكرامة المشتركة، أو تكرس الإهانة والتحريض.

  • صانعي السياسات ومنظمات المجتمع المدني: لأن الرياضة قناة قوية ضمن إستراتيجيات أوسع لبناء السلام، لكنها لا تكفي وحدها؛ تحتاج شراكات، وبرامج منسقة، وأطر تقييم.

كما أن اقتصاد الرياضة نفسه يتأثر؛ ففي مناطق التوتر يتردد الاستثمار، وتتهدد الأحداث، ويتباطأ التطوير، بينما يخلق استقرار أكبر فرصًا للنمو، والتوظيف، والسياحة الرياضية، والتعاون الإقليمي.

ماذا أرجو أن يغيّر هذا البحث؟

أتمنى أن يغيّر طريقة حديث القيادات عن الرياضة؛ بدل الاكتفاء بعبارة «الرياضة تجلب السلام»، أتمنى أن يبدأ السؤال من:

  • ما البرامج التي صممناها لتقليل مخاطر الصراع؟

  • ما القيم التي نُدرِّب عليها المدربين والإداريين في التعامل مع الاختلاف؟

  • كيف نحمي فضاءات الرياضة من التحول لمنصات للكراهية والخطاب العدائي؟

  • كيف نقيس إن كان برنامج رياضي ما قد زاد الثقة بين المجموعات أم لم يؤثر؟

فالرياضة إذا تُركت دون إدارة، ستعكس صراعات المجتمع كما هي؛ أما إذا أُديرت بحكمة، يمكن أن تقدّم نموذجًا مختلفًا: منافسة بلا نزع إنسانية، وهوية بلا عداء.

تأمل شخصي ختامي

كتبت هذه الورقة لأنني مقتنع أن السلام في المنطقة العربية لا يمكن أن يُبنى بالسياسة وحدها؛ بل يجب أن يُبنى بالمجتمع أيضًا: بالشباب، والتعليم، والثقافة، والمؤسسات المشتركة. والرياضة واحدة من أقوى هذه المؤسسات؛ فهي تخاطب الناس بلغة يتجاوز صداها الأيديولوجيا واللغة.

حين يتحول الملعب إلى جسر لا ساحة معركة، فذلك ليس «صدفة»، بل نتيجة قيادة، وحوكمة، وتربية، ومسؤولية أخلاقية. وهذه هي الرسالة العميقة التي أردت أن يحملها هذا البحث: أن الرياضة لن تصنع السلام وحدها، لكنها تستطيع أن تعلّمنا – عمليًا – كيف يبدو السلام عندما نعيشه معًا ولو لتسعين دقيقة، ثم ننقل هذه الخبرة إلى ما هو أبعد من خط الملعب.

Share