لماذا كتبت “الإبداع في إدارة المؤسسات الرياضية”

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل
Share

كُتب هذا الكتاب لأنني، بعد سنواتٍ من العمل الأكاديمي والاحتكاك المباشر بالميدان الرياضي، أصبحت مقتنعًا بأن كثيرًا من مؤسساتنا الرياضية لن تستطيع مجاراة وتيرة التغير الحديث ما لم تتعلم كيف تُدير الإبداع بصورة منهجية لا عشوائية.
إن كتاب «الإبداع في إدارة المؤسسات الرياضية» هو محاولتي — بالاشتراك مع الأستاذة الدكتورة أمل محمد إبراهيم بابكر — لتقديم إطارٍ واضح للقادة والممارسين والطلاب، يُحوِّل «التفكير الإبداعي» إلى ممارسة مؤسسية وتطويرٍ يمكن قياسه.

Why I Wrote Creativity in the Management of Sports Institutions

عندما أدركت أن «حسن النوايا» لا يكفي

نعيش اليوم في عصرٍ يتسم بسرعة التغير واستمراريته؛ المعلومات تنتقل في لحظة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل التوقعات، والمؤسسات تُقارَن على مستوى عالمي وبشكلٍ فوري.
وفي مقدمة الكتاب، تحدثنا بصراحة عن التحديات التي تواجه المؤسسات الرياضية — أندية، اتحادات، لجان أولمبية، وهيئات حكومية — وكيف يمكن للعقبات الإدارية والثقافية أن تُعيق تطورها إذا استمرّت في الاعتماد على الروتين والتقليد.

لقد شهدت هذا النمط مرارًا: أشخاص حماسيون يعملون بجدّ، لكن داخل منظومات لا تكافئ المبادرة، ولا تستثمر في التجديد، بل أحيانًا تعاقب التجريب.
ما دفعني للكتابة لم يكن فقط وجود المشكلات، بل تكرار الدلائل التي تُظهر أن هذه المشكلات ليست تقنية بحتة، بل إدارية وثقافية. فقد أكدت دراسات عديدة – كما أشرنا – وجود قصورٍ في إدارة المؤسسات الرياضية ونقصٍ في الإبداع الإداري والمبادرة والاستعداد لتبنّي الممارسات الحديثة التي ترفع الكفاءة وتسهم في تطور الرياضة العربية.
عند تلك النقطة، أصبح السؤال شخصيًا بالنسبة لي:

إذا كانت الإدارة هي المحرك، فلماذا نعامل الإبداع كأنه زينة اختيارية؟

ما الذي يسعى الكتاب لتغييره

ينطلق هذا العمل من مبدأ بسيط: الإبداع ليس موهبةً فطرية حكرًا على القِلّة، بل مهارة يمكن تعلّمها وممارستها وتنميتها — شأنها شأن أي كفاءةٍ مهنية أخرى.
وهذا المبدأ بالغ الأهمية في الرياضة، لأنها تجمع بين العاطفة الإنسانية والتعقيد التنظيمي. فحين تغيب الإدارة الإبداعية، تتباطأ المؤسسة بينما يتسارع العالم.

في الفصول الأولى، أوضحنا مفهوم الإبداع وميّزناه عن مصطلحَي «الابتكار» و«التجديد» في الاستخدام العربي، وقدمناه كعمليةٍ منهجية لإنتاج أفكار جديدة ذات قيمة، تقوم غالبًا على الربط بين عناصر غير مترابطة من قبل.
وشرحنا لماذا تحتاج المؤسسات الرياضية إلى الإبداع: فالتقنيات المتغيرة، وتبدّل أذواق الجماهير، والفجوات في الأداء، واشتداد المنافسة كلها ضغوط لا تستطيع الأساليب الروتينية استيعابها.
بمعنى آخر، الإبداع أصبح أداة بقاء، لا رفاهية.

رحلتي في كتابة الكتاب (ولماذا كانت مرهِقة ومُلهمة)

تطلّب تأليف هذا الكتاب أن أكون في الوقت نفسه باحثًا ومُقتصِيًا للميدان.
البحث كان مكثفًا: المفاهيم والنماذج والنظريات، والرؤية «العمليّة» لعملية الإبداع بمراحلها الأربع: التحضير، الاحتضان، الإلهام، والتحقق — جميعها احتاجت إلى معالجة علمية دقيقة.
وفي الوقت نفسه، رغبت في أن يخاطب الكتاب الممارسين لا الأكاديميين فقط؛ فمدير النادي الرياضي في مكتبه يحتاج إلى أدوات يمكن تطبيقها، لا إلى مصطلحاتٍ مجرّدة.

وكان أحد أكثر الجوانب صعوبة هو التوازن بين المثالية والواقعية.
من السهل رفع الشعارات حول «التفكير الإبداعي»، لكن الأصعب هو كشف العوائق التي تقتل الإبداع داخل المؤسسات: الخوف من التغيير، الجمود الهيكلي، غموض الأهداف، وأنماط القيادة التسلطية التي تُقصي المشاركة.
تناولنا هذه العوائق صراحة لأن تجاهلها مكلف — خصوصًا في مؤسساتٍ محدودة الميزانيات ومرتفعة التطلعات الجماهيرية.

كما حملتُ أثناء الكتابة قناعة شخصية بأن المؤسسة الرياضية ليست مجرد جهة خدمية، بل ركيزة وطنية، ومُحَرّك مجتمعي، ومصدر مساهمة اقتصادية. لذلك سعيت إلى أن يكون الكتاب ملتزمًا بالمعيار الأكاديمي دون أن يفقد إنسانيته، لأن وراء كل «مؤسسة» أشخاصًا يسعون بصدقٍ إلى إنجازٍ له معنى.

محتوى الكتاب (سبعة فصول مترابطة)

بيّنا في المقدمة أننا نظّمنا الكتاب في سبعة فصول مترتبة تُكوّن سلسلة مترابطة:

  1. مفهوم الإبداع والحاجة إليه في المؤسسات الرياضية الحديثة: خصائصه، العوامل المشجعة له، والمبادئ التي تساعد الأفكار الجديدة على النمو بدلًا من وأدها مبكرًا.

  2. التفكير الإبداعي كمهارة عملية، بما في ذلك التفكير التباعدي، ولماذا تفشل أدوات القياس التقليدية في رصد القدرة الإبداعية.

  3. الإبداع الإداري في المؤسسات الرياضية، من حيث المفاهيم وأهميته في ظل الثورة المعلوماتية والتسارع التقني والمنافسة الشديدة بين المنظمات الرياضية.

  4. بناء المؤسسة الرياضية المبدعة: الاستراتيجيات، الثقافة الداعمة، وكيف يمكن للتنمية التنظيمية والتكنولوجيا أن تعززا الإبداع بدل أن تُقيداه.

  5. الإبداع التكنولوجي في الرياضة، في ظل ما يسميه الكتاب «عصر التكنولوجيا والثروة الرقمية»، الذي يفرض على المؤسسات مجاراة التطورات.

  6. تسويق الأفراد المبدعين والرعاية الرياضية ضمن عقود الرياضة، مع توضيح الفروق بين الرعاية والتسويق والاستثمار والإعلان، وبيان الجوانب القانونية ذات الصلة.

  7. الأطر الاقتصادية والقانونية التي تحكم الإبداع المؤسسي في بيئة الرياضة الحديثة.

وقد صُمّم هذا البناء عن قصد، لأني أردت أن يشعر القارئ بأن الإبداع ليس فصلًا مستقلًا بل سلسلة من الحلقات؛ فإذا انقطعت حلقة — في التفكير أو القيادة أو الثقافة أو التكنولوجيا أو التمويل — تعطلت المنظومة كلها.

لمن كُتب هذا الكتاب — وما يمكن أن يحققه

حين خاطبنا «القارئ العزيز» في المقدمة، قصدنا بذلك كل من يعمل في المؤسسات الرياضية على اختلاف مستوياتها وأحجامها.

ويخدم الكتاب عمليًا الفئات الآتية:

  • القادة والمديرون الرياضيون: لمساعدتهم على الانتقال من إدارة الروتين إلى إدارة التجديد والإبداع، وتعزيز التفكير الجماعي والمشاركة الفاعلة، خاصة في بيئاتٍ محدودة الموارد عالية التوقعات.

  • المدربون والفنيون والعاملون: لأن المناخ الإبداعي يعود بالنفع على الجميع، فهو يمنح الموظفين مساحة آمنة للمحاولة والتجريب، ويُطلق الطاقات الكامنة، ويرفع الروح المعنوية.

  • الطلاب والباحثون في إدارة الرياضة: إذ يجمع الكتاب بين التأصيل العلمي والنماذج الواقعية المستمدة من مؤسسات رياضية عربية حقيقية.

أما الأثر الأعمق في رأيي فهو ثقافيّ: فحين تتعلم المؤسسة الرياضية كيف ترعى الإبداع، فإنها تصبح أكثر قدرةً على التكيّف والمقاومة وخدمة المجتمع بخدماتٍ أفضل واستثمارٍ أمثل للموارد.
وحين تتحسن الإدارة المؤسسية، ينعكس ذلك على أرض الملعب وفي الفعاليات، بل وفي ثقة الجمهور أيضًا.

لماذا ما زلت أؤمن برسالته

يختتم الكتاب كما بدأ: بدعوةٍ صادقةٍ إلى الحوار والتغذية الراجعة، وبأملٍ أن يكون هذا الجهد مساهمة في تطوير الممارسة الإدارية وإثراء المكتبة الرياضية العربية.
وما زلتُ أؤمن اليوم أن الإدارة الإبداعية من أكثر طرق الإصلاح واقعيةً وجدوى — لا لأنها تُلغي الهوية أو التقاليد، بل لأنها ترفض الجمود وتؤمن بالتجدد.

فالرسالة ليست شعار «كونوا مبدعين»، بل ابنوا بيئةً تسمح للإبداع أن يوجد: أهدافٌ واضحة، قيادةٌ داعمة، مشاركةٌ في اتخاذ القرار، انفتاحٌ على التكنولوجيا، وشجاعةٌ في تقبّل التغيير بوصفه طبيعيًا لا مهدِّدًا.
وعندما تتبنى المؤسسات الرياضية هذا النهج، فإنها لا تكتفي بمواكبة العالم، بل تسهم في صناعته.