كلمات تهدِّئ أو تُشعل: لماذا درستُ دور الإعلام الرياضي في مواجهة العنف والتعصّب

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل

يمكن للرياضة أن تُبرز أجمل ما في الإنسان — الانتماء، الفخر، والفرح الجماعي — لكنها في أوقاتٍ أخرى تُخرج أسوأ ما فيه: العدوان، والتعصّب الأعمى، والغضب الجمعي الذي يُحوِّل المباراة إلى معركة.
ومع مرور الوقت، أدركت حقيقةً لا يمكن تجاهلها: العنف في الرياضة ليس مشكلةً أمنية فقط، بل هو أيضًا مشكلةُ تواصلٍ وإعلام.
فالطريقة التي تُقدَّم بها الرياضة في الإعلام — سردًا وإطارًا انفعاليًا — يمكن أن تهدِّئ المدرّجات أو تُشعلها.
ومن هذا الإدراك وُلد بحثي المشترك مع زميلي: «دور الإعلام الرياضي في مواجهة العنف والشغب في المجال الرياضي».

أكتب هذا المقال بصوتي الشخصي لأن هذا الموضوع ليس نظريةً أكاديمية بعيدة، بل مسؤوليةٌ تجاه الرياضيين والجمهور والأسر والمنظومة الرياضية بأكملها.
فعندما ينتشر العنف في الرياضة، يُصاب الناس بالأذى، وتفقد المؤسسات ثقة المجتمع، وتفقد الرياضة معناها الاجتماعي الأصيل.
كان هذا البحث محاولتي لدراسة الظاهرة علميًا ومنهجيًا: مظاهرها، أسبابها، والمسؤوليات المحددة للإعلام الرياضي في مواجهتها.

لماذا اخترت الإعلام الرياضي مدخلًا للدراسة

عندما تقع أحداث العنف حول المباريات، فإن اللوم غالبًا ما يُلقى على الجماهير.
وأحيانًا يُحمَّل الحكّام أو اللاعبون أو إدارات الأندية أو حتى المناخ السياسي المسؤولية، وكلها عوامل مؤثرة.
لكن الإعلام يمتلك قوةً استثنائية؛ فهو يصل إلى الملايين قبل المباراة وأثناءها وبعدها، فيصوغ التوقعات، ويبني التوتر، ويشرعن الخطاب، وقد يطبّع ثقافة عدم الاحترام.

في منطقتنا خصوصًا، تتجاوز بعض البرامج الرياضية صخب المباريات نفسها، فتقدِّم الرياضة أحيانًا كأنها حرب بين خصوم بدلًا من منافسة بين لاعبين.
ومع التكرار، تتحول سلوكيات الشغب إلى سلوكٍ «مقبول ثقافيًا».
ولهذا أردت التعامل مع الإعلام الرياضي لا كجهة محايدة تراقب، بل كفاعلٍ مؤثرٍ ومسؤولٍ عمّا يبثّه.

أهداف الدراسة

وُضعت للبحث أهداف محددة وواضحة:

  1. تحديد مظاهر العنف والشغب كما تُعبِّر عنها الجماهير والبيئة الرياضية الأوسع.

  2. تحليل أسباب العنف والشغب في المجال الرياضي.

  3. تحديد دور الإعلام الرياضي في مواجهة هذه الظواهر.

وهذا الترتيب ضروري؛ فمن أراد علاج العنف عليه أولًا أن يصف شكله، ثم يفهم أسبابه، ثم يقيِّم دور الإعلام في الحد منه بدلًا من تغذيته.

رحلتي في إعداد البحث: من الانفعال إلى الدليل

العنف في الرياضة ظاهرة انفعالية بطبيعتها ترتبط بالهوية والانتماء والفخر، لكن البحث العلمي لا يمكن أن يُبنى على الانفعالات.
لذلك استخدمنا المنهج الوصفي بأسلوب المسح، لملاءمته لطبيعة الدراسة وسعيها إلى فهم الإدراكات من أطرافٍ متعددة داخل المنظومة الرياضية.

وشملت العينة مزيجًا متنوعًا من الفاعلين:

  • أعضاء مجالس إدارات الأندية، الأجهزة الفنية، واللاعبين (80 مشاركًا).

  • أعضاء في مجالس إدارات بعض الاتحادات الرياضية (43 مشاركًا).

  • العاملين في الإعلام الرياضي (20 مشاركًا).

  • مسؤولين من وزارة الدولة لشؤون الرياضة (34 مشاركًا).

وبذلك بلغ مجموع العينة الرئيسة 177 مشاركًا، إضافة إلى عينة استطلاعية من 30 فردًا خارج العينة الأساسية استخدمت لحساب الثبات والصدق الإحصائي للأدوات.
وكانت الاستبانة الأداة الرئيسة لجمع البيانات.

لقد كان تنوّع العينة مقصودًا؛ لأن العنف والشغب ليس نتاج فئة واحدة، بل نتاج منظومة كاملة: الأندية، الاتحادات، الإعلام، السياسات، وثقافة الجمهور.
ولذلك فإن التشخيص السليم يتطلب الإنصات لجميع الأصوات.

أهم النتائج: كيف يظهر العنف… ولماذا يحدث

كشفت الدراسة عن مظاهر واضحة للعنف والشغب، منها:
تخريب المدرجات والمقاعد، السلوكيات المزعجة في محيط الملعب، تشجيع بعض الجماهير للسلوك الجماعي العدواني، والهتافات غير التربوية.
وليست هذه حوادث بسيطة، بل دلائل على انهيار القيم الرياضية وضعف الضبط الاجتماعي داخل بيئة الملاعب.

أما عن الأسباب، فقد أظهرت النتائج أن الحماس المفرط والتعصّب الأعمى بين بعض الجماهير من أهم المحركات، إضافة إلى انتشار مظاهر العنف في المجتمع عمومًا.
وهنا تبرز حقيقة مركزية: الملعب ليس معزولًا عن المجتمع، فعندما يُطبّع العنف اجتماعيًا، تصبح الرياضة أحد أماكن تجليّه العلني.

لذلك فإن مواجهة الشغب لا يمكن أن تعتمد على الأمن وحده، بل يجب أن تشمل المرويّات الثقافية، والإطار الإعلامي، والتربية، والحوكمة المؤسسية.

دور الإعلام الرياضي: ما الذي ينبغي أن يتغيّر

استخلصت الدراسة مجموعةً من التوصيات العملية حول مسؤولية الإعلام الرياضي في الحد من العنف، من أهمها:

  • نقل صورةٍ صادقةٍ وواضحةٍ لأحداث المباريات، ولا سيما للجماهير.

  • الامتناع عن نشر أي محتوى يُثير الجمهور أو يزيد الكراهية بين أنصار الأندية.

وهذا لا يعني تقييد حرية التعبير، بل ممارسة أخلاقيات المهنة.
فعندما يبالغ الإعلام في تضخيم الخلافات أو نشر الشائعات أو تصوير المباراة كمعركة ثأر، فإنه يغذّي حالة التوتر التي تُنتج العنف.

الإعلام يمتلك القدرة على نشر الوعي دون خطابٍ وعظي:
بتحري الدقة في اللغة، وبعدم إتاحة المنصات للخطاب العنيف، وبمكافأة الروايات التي تحتفي بالروح الرياضية، وبعرض اللاعبين والمشجعين كـ مواطنين متحضّرين لا كأعداء مختلفين في الألوان.

التوصيات: مسؤولية تتقاسمها المؤسسات

أحد أهم ما أكدته النتائج هو ضرورة تعزيز دور الهيئات الرياضية في إعداد برامج وخطط لتحسين السلوك الرياضي من خلال مختلف وسائل الإعلام.
فالإعلام وحده لا يمكن أن يتحمّل هذا العبء.
يجب على الاتحادات والأندية والوزارات تصميم حملاتٍ تربويةٍ وبرامجَ سلوكيةٍ مستمرة، يستخدم الإعلام فيها كوسيلة نشرٍ وشريكٍ في التوعية، لا كساحةٍ خارجةٍ عن السيطرة.

كما أوصت الدراسة بتفعيل الرقابة القانونية على ما يُعرض أو يُنشَر في الإعلام إذا كان يمسّ سلوك الجمهور أو يحرّض على العنف.
وهذا موضوعٌ حساس لكنه ضروري؛ فحرية التعبير لا تعني حرية التحريض أو الإيذاء.
وفي الرياضة، يدفع المجتمع كله ثمن الخطاب غير المسؤول — من إصاباتٍ جسديةٍ إلى أضرارٍ في المنشآت وانقساماتٍ اجتماعيةٍ مؤلمة.

لمن وُجه هذا البحث وما أثره المرجو

يتوجّه هذا العمل إلى دائرة واسعة من المعنيين:

  • الإعلاميون الرياضيون، لأن لغتهم وطريقة عرضهم تسهم إما في التهدئة أو في إشعال التوتر.

  • الأندية والاتحادات، لأن الحوكمة وسياسات التواصل مع الجماهير تحدد السلوك العام.

  • اللاعبون والأجهزة الفنية، لأن سلوك القدوة يُترجم مباشرةً في سلوك الجماهير.

  • الجهات القانونية والحكومية، لأن السياسات والتشريعات تحدد بيئة الإعلام وسلامة الملاعب.

  • الجماهير والعائلات، لأنهم يستحقون بيئةً رياضيةً آمنةً ومحترمةً تليق بمعنى الرياضة.

وعندما يقلّ العنف، تزدهر الصناعة الرياضية نفسها: ترتفع ثقة الرعاة، وتزداد جاذبية الفعاليات، وتتوسع السياحة الرياضية، وتتحول الأندية من إدارة الأزمات إلى إدارة التطوير.

تأمل ختامي شخصي

كتبتُ هذا البحث لأنني أؤمن أن الرياضة فصلٌ من فصول التربية الاجتماعية.
الملعب يُعلِّم، حتى عندما لا ينوي أحد التدريس؛ فإن علّم الإعلام الكراهية، انتشرت الكراهية، وإن علّم الاحترام، انتشر الاحترام.
ليست هذه مثاليةً طوباوية، بل واقع علم النفس الاجتماعي وتأثير الخطاب العام.

الرسالة الأساسية للبحث واضحة:

إن مواجهة العنف والشغب تتطلب الصدق والمسؤولية والحدود الأخلاقية في الإعلام الرياضي، إلى جانب الجهود المؤسسية والتشريعية التي تحمي الرياضة كفضاءٍ للمنافسة لا للتدمير.

ففي نهاية المطاف، الكلمات التي تُقال عن المباراة قد تكون أحيانًا أقوى أثرًا من أحداثها نفسها.

Share