الدروس المستفادة من أزمة اللاعب الدنماركي أريكسون

يونيو 13, 2021
Share

الدروس المستفادة من أزمة اللاعب الدنماركي أريكسون

كتب
د. حماده العنتبلي

لاشك أن قلوب جميع المتابعين لكرة القدم قد توقفت وظلت
العيون تتابع ما يتم في ملعب مباراة الدنمارك وفلندا في يورو 2020، إذ فوجئ الجميع
بسقوط اللاعب كريستيان إريكسون، لاعب أنتر ميلان الإيطالي والمنتخب الدنماركي، مغمى
عليه أواخر الشوط الأول من مباراة منتخبه ضد نظيره الفلندي، بملعب باركن ستاديون بالعاصمة
الدنماركية كوبنهاجن، والحقيقة أن تلك الواقعة على قدر ما كانت إنسانية بدرجة
كبيرة فلقد كان الجميع في حالة قلق شديد إزاء حياة إنسان قبل أن يكون لاعب كرة قدم
ستفارق الحياة أمام أنظار العالم أجمع في مباراة كرة قدم، ولكن وجدنا أنفسنا نتابع
درس متكامل في إدارة الأزمة على إحدى الملاعب الرياضية، من جميع أفراد المنظومة
بدايةً من اللاعبين ومروراً بحكم المباراة، واللاعب الأساسي في هذه الأزمة وهم
الأطقم الطبية، ثم الإدارة المحترفة للعملية الإعلامية ونقل المباراة من قبل
المخرج والمصورين، والتعامل مع زوجة اللاعب، ومن ثم فإن تلك الواقعة لا يجب أن تمر
مرور الكرام ولكننا يجب أن نستخرج منها الدروس المستفادة لتكون نموذجاً يتحذى به
في إدارة الأزمات المشابهة وما أكثرها في الملاعب المصرية على اختلاف درجاتها، فوجدنا
أنفسنا نتذكر واقعة اللاعب الراحل محمد عبد الوهاب لاعب النادي الأهلي والكثير من
اللاعبين في دوري الدرجة الثالثة والرابعة لكرة القدم، لأن منظومة كرة القدم في
العالم أجمع منظومة تدار باحترافية وهذا ما أظهرته تلك الواقعة، فبينما كان الجميع
يترقب ما يحدث على أرض الملعب تجد أن هناك لاعبين على علم ومعرفة بالإجراءات التي
يجب أن يقوموا بها حال سقوط لاعب بهذه الطريقة فتم وضع اللاعب في الوضع التشريحي
السليم والذي يحافظ على حياته – بوضعه على جنبه بعد أن فقد الوعي كي لا يبلع لسانه
أو يختنق بسوائله أن كان قد تقيأ- في الوقت الذي استدعى فيه حكم المباراة
واللاعبين الأطقم الطبية بمنتهى السرعة، وهرعت الأطقم الطبية للفريقين والفريق
المساعد في أرض الملعب محملين بكامل المعدات والمهارات التي من شأنها أن تساهم في
المحافظة على حياة اللاعب والتي هي وظيفتهم الأساسية وتعاملوا مع اللاعب بمنتهى
الحرفية، وفي نفس الوقت شكل اللاعبين حاجزاً للمحافظة على خصوصية زميلهم المصاب وإتاحة
الفرصة للأجهزة الطبية للقيام بدورها على أكمل وجه، وتكتمل المنظومة المحترفة
بالإعلام المدرك للحظة الفارقة في حياة إنسان على أرض الملعب فلم يسارع المخرج
للخروج بلقطات تكون سبقاً ولكن ظل ينقل المشهد من بعيد إحتراماً لخصوصية تلك
اللحظة الفارقة، ثم جاء دور التعامل مع زوجة اللاعب أريسكون من قبل قائد الفريق
الذي كان يتعامل هو أيضاً بمنتهى الحرفية، وبعد قيام الأطقم الطبية بعدة محاولات
من ضمنها صعقات كهربائية، في الوقت الذي تمكن فيه رجال الإسعاف من حمل إريكسون على
الفور وهو على قيد الحياة إلى أقرب وأكبر مستشفى بمدينة كوبنهاجن، حيث أعلنت
اللجنة المنظمة بعد مدة لم تتجاوز الساعة عبر مكبرات الصوت بالملعب، أن صحة
إريكسون أصبحت بفضل مجهودات الأطباء مستقرة، وليس هناك ما يدعو إلى القلق، وأنه
يوجد في غرفة العناية المركزة، وأضافت اللجنة أيضا أن الاتحاد الأوروبي واليويفا
يطلبان من الجماهير مغادرة الملعب في هدوء، كما يعلنان بسبب هذه الحالة الصحية الطارئة
تعليق مباراة منتخبي الدنمارك وفلندا.

وبالتالي
فإن ما حدث بالأمس لم يكن مجرد حادثاً على ملاعب كرة القدم ولكنها كانت منظومة
محترفة في كل شيء تحترم حياة الإنسان وتساهم في المحافظة عليها، منظومة تؤكد أن
العلم والإعداد الجيد والتدريب لكافة أفراد المنظومة يؤتي ثماره بشكل متميز، وعليه
فإنه يتعين علينا أن نستفيد من الدرس الذي شاهدناه جميعاً بالأمس، نتعلم في أن
نوعي ونثقف اللاعبين والأطقم الطبية والفنية والإدارية بالإجراءات التي يتعين
القيام بها في حال وقوع أي حادث طارئ على أرضية الملعب سواء أثناء التدريب أو
المنافسات، وأن يكون هناك سيناريوهات يتم تمثيلها للتعامل مع مختلف الظروف الطارئة،
نتعلم أن يكون هناك أطقم طبية وإسعاف مزودين بأفضل الأجهزة التي تساهم في المحافظة
على حياة اللاعبين وتوفر الإسعاف الأولي اللازم لذلك، وأن يمتلكوا المهارة اللازمة
والعلم اللازم للتعامل مع مختلف المواقف الطارئة، وسرعة نقل اللاعب المصاب إلى
أقرب مستشفى بعد الحصول على الإسعاف الأولي المناسب، نتعلم الإدارة الإعلامية
والنقل التلفزيوني وما يتوجب عليهم القيام به في أثناء الأزمات وليس التسارع على
اللقطة التي تحدث السبق، فالسبق الحقيقي هو الإدارة الجيدة للأزمة، نتعلم إدارة الأزمة
من قبل اللجنة المنظمة للبطولة والتعامل مع الوضع، نتعلم أن الخصوصية واحترام
الإنسان هو الأساس فللمصاب حرمة لا يجب أن ننتهكها ونتعلم أن هناك أسر وأهل للاعب
المصاب تتابع المشهد وتحتاج من يتعامل معها بإنسانية ويحاول من تهدئة روعها بدلاً
من المتاجرة بمصابها.

حقاً
إنه درساً أتمنى أن نتعلم جميعاً منه وأن تكون تلك الأزمة بمثابة درس يدرس في جميع
الإتحادات الرياضية والأندية والجامعات وكل من له علاقة بالوسط الرياضي والإدارة
المحترفة للرياضة، فحمداً لله على سلامة اللاعب كريستيان إريكسون، وشكراً لكل من
ساهم في المحافظة على حياته وإدارة الأزمة بهذا الكم من الإحترافية، وفي الختام
أتمنى أن نستفيد ونتعلم حتى لا نفاجأ كل يوم بأزمة أو كارثة على ملاعبنا، وندرك أن
الرياضة لم تعد مجرد لعبة ولكنها منظومة متكاملة العلم هو سلاحها، وعلى الله قصد
السبيل.

بقلم
د. حماده العنتبلي