لقد كانت الرياضة بمختلف أنشطتها ومنذ نشأتها التاريخية كممارسة قائمة على أنها منبعاً للترفيه البريء والتربية الأخلاقية والصحة وغرس قيم الأخلاق عبر التنافس الشريف ، بل أنها دعاية لقيم السلام حتى أن فكرة الأولمبياد في نشأتها التاريخية في التاريخ القديم لليونان كانت دعوة لنبذ العنف والحرب ، ولقد نجحت فى الجمع بين الأطراف المتحاربة أن تلتقي تحت رحاب الرياضة فى سلامٍ وأمان. ولكن صدقت فى الرياضة المقولة التي تقول “متى ظهر المال وأصبح هدف فإنه يرسخ قيم الفساد الأخلاقي” ولكن لم يكن التاريخ يتوقع أن تلك القيم السمحة التى تغرسها الرياضة ستصبح ذكرى بعد أن هيمن المال على الرياضة وسادت قيم المال على قيم الرياضة ففسدت وفقدت كل معانيها وقيمها، وهذا هو واقع الرياضة اليوم الذي لم يكن يتوقعه أحد منذ أصبح المال هو المحرك للرياضة ، فلقد اختلط الحابل بالنابل ، وشهدت الساحة الرياضية حالة من التداخل والإزدواجية الشديدة، فتجد أن المسئول إعلامي ، وصاحب القرار بلا مبدأ، وإدارات أندية في تصارع وتكالب شديدين على عمل من المفترض أنه تطوعي، وبعد أن كتب المال نهاية الهواية وظهر الإحتراف الذي أصبح أكبر مجال للإستثمار وطغى على الهواية بعد أن إرتفع سقف الهاوي نفسه للإحتراف ، وبعد أن أصبح الإحتراف من أكبر مصادر الثراء الفاحش ليس على مستوى اللاعبين وحدهم بل على مستوى المدربين والوكلاء والسماسرة والتسويق الرياضى والإعلان، وهو ما أشار إلى ظهور نوع جديد من القيم مرتبط بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وتقف ملاعبنا الرياضية على إختلاف أنواعها شاهداً على العديد من الممارسات التي تحدث بين جنباتها ؛ فلم تعد الرياضة كما سبق الروح الرياضية والمكسب الشريف وأخلاق الفرسان ولكن بعد أن أصبحت لغة المال هي اللغة الحاكمة والمسيطرة أصبح هناك مفاهيم أخرى مصاحبة للإحتراف مثل الكذب وإدعاء الإصابة والغش والخداع ، وأن الغاية تبرر الوسيلة ، وتعاطي المنشطات وسيلة لإعتلاء منصة التتويج مهما كانت العواقب التي قد تترتب عليها ؛ حتى أن هناك إحدى الدراسات أجريت قبل إحدى البطولات وتم توجيه سؤال للاعبين المشاركين في البطولة لو أخبرتك أنك ستتناول هذا المنشط وتعتلي منصة التتويج وتفوز بالبطولة وبعدها قد تفقد حياتك ، فكانت الإجابة الصادمة أن غالبية اللاعبين أجاب أنه يقبل تناول هذا المنشط ويعتلي منصة التتويج وبعدها يحدث ما يحدث .
وهنا يجب أن نقف طويلاً بالدراسة والتحليل لتلك الظواهر وهذا الإختلال القيمي، الذي اصبح السمة المسيطرة على الساحة الرياضية المحلية والعالمية؛ حتى لا يستمر مسلسل الإنجراف إلى الهاوية، ويضيع معها ما تأسست عليه الحركة الرياضية في العالم وما كنا نسعى إلى غرسه في نفوس أبناءنا من خلال تدعيم ممارستهم للرياضة، لتقيهم مظاهر الإنحراف المجتمعي، في عالم شديد الإنفتاح على كل شيء. إنه ناقوس الخطر لمستقبل الرياضة في ظل منظومة الإحتراف.
بقلم د. حماده العنتبلي