إعادة بناء العمود الفقري: لماذا درستُ تطوير الهيكل التنظيمي في المؤسسات الرياضية من خلال إدارة التغيير

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
تحميل

كل مؤسسة رياضية لها وجه ظاهر: الفرق، والمسابقات، والإنجازات، والحضور الإعلامي. لكن خلف هذا الوجه يوجد «عمود فقري» غير مرئي هو الهيكل التنظيمي؛ فإذا كان هذا الهيكل متقادِمًا، وجد حتى أصحاب الكفاءة صعوبة في العمل: تبطؤ القرارات، وتتداخل الأدوار، وتبهت المساءلة، وتتحول الأهداف الإستراتيجية إلى شعارات لا نتائج. لهذا كتبتُ بحثي العلمي الذي يلخّصه الملف المرفق، حول تطوير الهياكل التنظيمية للمؤسسات الرياضية في ضوء إدارة التغيير.

أكتب هذه المقالة بصوتي الشخصي لأن هذا العمل لم يأتِ بدافع أكاديمي مجرد، بل جاء من ملاحظات ميدانية متكررة: كثير من المؤسسات الرياضية ما زالت تعمل بهياكل تقليدية صُمِّمت لعصر مختلف، بينما تغيّر محيطها جذريًا من حيث الأطراف ذات العلاقة، والتقنية، ومتطلبات الحوكمة، ونماذج التمويل، وشدة المنافسة. وعندما يتغير المحيط ويبقى الهيكل كما هو، تدخل المؤسسة في حالة تراجع صامت. كان هذا البحث محاولتي لتشخيص الفجوة الهيكلية، وقراءة جاهزية القيادات لإدارة التغيير، واقتراح مسارات تطوير تدعم أداءً مؤسسيًا حديثًا.

ما موضوع الدراسة؟

قُدِّم البحث تحت عنوان: «تطوير الهياكل التنظيمية للمؤسسات الرياضية في ضوء إدارة التغيير في المملكة العربية السعودية»، وقد شاركني فيه الأستاذ علي بن محمد بن إبراهيم النعمان (ماجستير إدارة رياضية)، والأستاذة مروة محمد محمود موسى (ماجستير إدارة رياضية).

استهدفت الدراسة الوقوف على مدى ملاءمة الهيكل التنظيمي الحالي للمؤسسات الرياضية، ودوره في تحقيق أهدافها، والتعرّف إلى مدى ممارسات مديري هذه المؤسسات لأساليب إدارة التغيير، وتحديد أهمية الأدوار القيادية في ظل متطلبات إدارة التغيير، ثم اقتراح هيكل تنظيمي – عند الحاجة – أكثر توافقًا مع متطلبات المرحلة. بالنسبة لي، كان هذا من أهم «الموضوعات الخفية» في الإدارة الرياضية؛ فالناس يحتفلون بالأهداف داخل الملعب، لكن «الأهداف» في الإدارة تحتاج إلى بنية: هيكل، وقيادة، وثقافة.

رحلتي مع الموضوع: لماذا أصبح الهيكل قضية شخصية؟

في كثير من المؤسسات يُختزَل الهيكل التنظيمي في «رسم» معلَّق على الحائط، بينما الحقيقة أن الهيكل هو الواقع اليومي للسلطة، والاتصال، والمسؤولية. عندما يكون الهيكل غير واضح، يُنهَك حتى الجيدون: يعملون أكثر لكن ينجزون أقل، لأن الجهد يتشتت، والقرارات تتعثر في سلسلة طويلة من الموافقات.

أثناء العمل على الدراسة، ظل سؤال يتكرر في ذهني: كم مؤسسة رياضية تخسر قيمتها لا لنقص في المواهب، بل لغياب الاتساق الهيكلي؟ وتعمّق السؤال أكثر عند ربط الهيكل بإدارة التغيير؛ فالتغيير ليس قرارًا فقط، بل عملية، ومن دون إدارة تغيير تصبح أي محاولة لإصلاح الهيكل فوضوية، ومرفوضة، أو متروكة في منتصف الطريق. ولهذا كان التركيز على القيادة أساسيًا في الدراسة؛ فالهياكل لا تُحدِّث نفسها، بل القيادات هي التي تجدّدها… أو تتركها متجمّدة.

المنهج والعينة: الإصغاء للمنظومة من أكثر من زاوية

استخدمت الدراسة المنهج الوصفي بأسلوب المسح، بما يلائم أهدافها، واعتمدت عينة من عدة فئات، منها:

  • العاملون في إدارات الأندية الرياضية (76 مشاركًا).

  • خبراء في المجال الرياضي (15 مشاركًا).

  • ممثلو القطاع العام من الرئاسة العامة لرعاية الشباب (20 مشاركًا).

  • العاملون في إدارات الاتحادات الرياضية (50 مشاركًا).

ليصل إجمالي العينة إلى 161 فردًا، وكان الاستبيان أداة جمع البيانات الرئيسة. أرى أن هذا التنوع ضروري؛ فالهياكل لا يعيشها المديرون فقط، بل يعيشها الموظفون والخبراء والشركاء الحكوميون، وأي تشخيص هيكلي لا بد أن يعكس تعدد هذه الزوايا.

ماذا كشفت النتائج؟ الحقيقة غير المريحة عن «الهياكل التقليدية»

أهم نتائج الدراسة جاءت صريحة: الهيكل التنظيمي الحالي للمؤسسات الرياضية تقليدي ومتقادِم، ويُعرقِل بوضوح تحقيق الأهداف التي أُنشئت هذه المؤسسات من أجلها، ما يخلق حاجة ملحّة لتطويره.

هذه النتيجة قوية لكنها واقعية؛ فالهياكل التقليدية غالبًا ما تحمل أعراضًا معروفة: مركزية مفرطة، وغموض في توصيف الوظائف، وضعف في التفويض، وبطء في تدفق المعلومات، وقلة في المرونة. وفي بيئة رياضية سريعة الإيقاع تصبح هذه العيوب مكلفة؛ فالرعاة يحتاجون سرعة في الاستجابة، والأزمات تحتاج جاهزية، والأطراف ذات العلاقة تتوقع شفافية وكفاءة.

ووجدت الدراسة أيضًا أن مديري المؤسسات الرياضية لا يمارسون أساليب إدارة التغيير بالقدر الكافي في إدارة مؤسساتهم. وهذه نقطة حساسة؛ فحتى لو اتفق الجميع على أن الهيكل يحتاج تحديثًا، فإن غياب مهارات إدارة التغيير يجعل الإصلاح غير مستقر، وتجد المؤسسة نفسها في حلقة مفرغة من «نريد التغيير» دون منهج واضح لتنفيذه.

كما أبرزت النتائج أن من أدوار القيادة الحاسمة في ظل إدارة التغيير: تحفيز العاملين، والقيادة الفعّالة، وبناء ثقافة تنظيمية مشتركة، وخلق بيئة تنظيمية داعمة؛ أي أن تطوير الهيكل لا يتعلق برسم الصناديق فقط، بل بقدرة القادة على جعل الناس يعيشون الهيكل الجديد ويلتزمون به.

ماذا يجب أن يتغير عمليًا؟

ركّزت توصيات الدراسة على أولويتين أساسيتين:

  • أولًا: ضرورة تحديث الهيكل التنظيمي القائم في المؤسسات الرياضية بما يتوافق مع متطلبات العصر؛ والمقصود ليس «التغيير من أجل التغيير»، بل تحقيق التناسق بين الهيكل وبيئة العمل الفعلية.

  • ثانيًا: ضرورة إعداد وتأهيل المديرين لمواكبة التغيرات البيئية ومتطلبات إدارة التغيير المفروضة على المؤسسات الحديثة؛ وبرأيي هذه ربما أهم توصية استراتيجية، لأن كثيرًا من المؤسسات تستثمر في منشآت أو فرق أو فعاليات، لكنها تُهمل تطوير القيادات، مع أن كفاءة القيادة هي التي تحوّل الموارد إلى نتائج.

واعتمدت الورقة في ذلك على مراجع في الهيكل التنظيمي، وإدارة المعرفة، وإدارة التغيير، لتبقى التوجهات المقترحة مبنية على أدبيات علمية لا على رأي فردي معزول.

لمن يتوجه هذا البحث؟

رغم أن الدراسة تركز على المؤسسات الرياضية، فإن آثارها تمتد إلى دائرة أوسع:

  • الموظفون والإداريون: يستفيدون من وضوح الأدوار، وانخفاض الصراع الوظيفي، وتحسّن الاتصال، وتوافر مسارات نمو مهني أوضح.

  • اللاعبون والأجهزة الفنية: يستفيدون لأن الهيكل الأفضل يحسّن تقديم الخدمات، واللوجستيات، والتخطيط، والدعم المحيط بالأداء الفني.

  • الشركاء الحكوميون: يستفيدون لأن المؤسسات ذات الهياكل الحديثة أسهل في الحوكمة والتنسيق والمواءمة مع الأهداف الوطنية.

  • الرعاة والمستثمرون: يستفيدون لأن الهيكل جزء من «مصداقية المؤسسة»؛ فالحوكمة المهنية تجعل الشراكات أكثر أمنًا واستدامة.

  • منظومة الصناعة الرياضية عمومًا: تستفيد لأن المؤسسات الأكثر نضجًا تنظيميًا تقدّم مسابقات أفضل، وأسواقًا أكثر استقرارًا للخدمات المتصلة بالرياضة.

تأمل ختامي شخصي

كتبت هذا البحث لأنني أؤمن أن إصلاح الهيكل التنظيمي من أكثر الحوارات «غير الشعبية» لكنه من أكثرها ضرورة في الرياضة؛ فالناس تحب أن تتحدث عن البطولات، وقليل منهم يحب الحديث عن خطوط التقارير، ودورات القرار، ونظم المساءلة، بينما الحقيقة أن هذه العناصر غير المرئية هي التي تحسم ما إذا كانت المؤسسة ستنمو أم ستتوقف عند حد معين.

الرسالة الأساسية في هذا العمل أن الهياكل التنظيمية يجب أن تُحدَّث في إطار إدارة تغيير واعية لا في إطار قرارات مرتجلة، وأن القادة لا بد أن يُعَدّوا لقيادة الناس خلال هذا التحول عبر التحفيز، وبناء الثقافة، وترسيخ الحوكمة الواضحة. لأن الكؤوس تأتي وتذهب، أما الهيكل الجيد فهو ما يسمح للمؤسسة أن تُنتج القيمة موسمًا بعد موسم.

Share