لماذا كتبت “اقتصاديات الرياضة – رؤية عصرية”

Hamada Alantably
مارس 17, 2026
Share

حين بدأت عملي في مجال الإدارة الرياضية، كنتُ مقتنعًا — كما يعتقد كثيرون — بأن الرياضة في جوهرها نشاط إنساني تربوي واجتماعي قبل أي شيء آخر.
لكن مع مرور السنوات، أصبح من المستحيل تجاهل حقيقة أساسية: الرياضة لا يمكن أن تستمرّ أو تنمو أو تحقق رسالتها المجتمعية من دون قاعدةٍ اقتصاديةٍ سليمة.
ومن هنا وُلد هذا الكتاب «اقتصاديات الرياضة الجديدة»، لا بوصفه بحثًا أكاديميًا محضًا، بل نتاج سنواتٍ من التعليم والبحث والممارسة والرصد المستمر لكيفية عمل المنظومة الرياضية — وكيف تفشل أحيانًا — ضمن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه.
لقد كان تأليفه، في جوهره، مسؤولية مهنية وشخصية أكثر مما كان طموحًا للنشر.

Why I Wrote The New Economics of Sport: Reflections on a Journey Between Knowledge and Practice

السؤال الذي لم يغادرني

خلال مسيرتي الأكاديمية والمهنية، كانت هناك مجموعة من الأسئلة تتكرر دائمًا، في قاعات المحاضرات وفي المؤسسات الرياضية على حد سواء:

  • لماذا تعاني العديد من المؤسسات الرياضية ماليًا رغم شعبيتها الواسعة؟

  • لماذا لا تُترجم الاستثمارات الرياضية الضخمة دائمًا إلى نتائج فنية أو اجتماعية مؤثرة؟

  • ولماذا تزدهر الرياضة كصناعة في بعض الدول بينما تبقى هشّة ماليًا في دول أخرى؟

كانت تلك الأسئلة ليست نظرية بل واقعية، تُجسد تحدياتٍ تواجه الأندية والاتحادات والوزارات وحتى الرياضيين أنفسهم.
وأدركتُ أن المشكلة ليست في غياب الشغف أو المواهب، بل في محدودية الفهم الاقتصادي للرياضة كنظامٍ متكامل.
فالرياضة نمت أسرع من الأطر التي أُنشئت لإدارتها.

من التدريس إلى التأليف

أتاح لي عملي في الجامعات في مصر وسلطنة عمان فرصة التفاعل اليومي مع طلبة الإدارة الرياضية والباحثين المستقبليين.
وفي قاعات الدرس ونقاشات الدراسات العليا، لاحظت فجوة واضحة بين النظريات الاقتصادية التقليدية وتطبيقها داخل المجال الرياضي.
كان الطلاب متحمسين لفهم الميزانيات، والاستثمار، والرعاية، وحقوق البث، واقتصاديات استضافة الأحداث الكبرى، لكن المراجع المتاحة خصوصًا عربيًا كانت محدودة ومجزّأة.

وفي المقابل، كشفت تجربتي مع المؤسسات الرياضية عن تحدٍّ مماثل؛ فكثيرٌ من القرارات كانت تُبنى على ردة الفعل لا على الاستراتيجية، وعلى العُرف لا على البيانات، وعلى البقاء اللحظي لا على الاستدامة.
عند هذه النقطة، أدركت أن كتابة هذا الكتاب لم تَعُد خيارًا بل ضرورة.

Why I Wrote The New Economics of Sport: Reflections on a Journey Between Knowledge and Practice

ما الذي يحاول الكتاب أن يقدّمه

إن هذا الكتاب محاولةٌ للنظر إلى الرياضة كنشاطٍ اقتصادي حديث، من دون أن تنفصل عن جوهرها الإنساني والاجتماعي.
فلم يكن هدفي أبدًا تقليص الرياضة إلى حسابات الأرباح والخسائر، بل إيضاح الكيفية التي يمكن أن يحمي بها التفكير الاقتصادي الرياضة ويقوّيها ويجعلها أكثر قدرة على خدمة المجتمع.

يتناول الكتاب موضوعاتٍ عدّة، منها:

  • الهيكل الاقتصادي للمؤسسات الرياضية.

  • العلاقة بين الرياضة والاقتصاد الوطني.

  • تخصيص الموارد وكفاءتها في المؤسسات الرياضية.

  • الاستثمار والتمويل وإعداد الموازنات في المجال الرياضي.

  • اقتصاديات استضافة البطولات والأحداث الكبرى.

  • دور التشريعات والحوكمة في تشكيل الاقتصاد الرياضي.

  • التشغيل ورأس المال البشري والاستدامة في القطاع الرياضي.

وقد كتب كل فصلٍ منها وفق مبدأٍ واحد:

الوعي الاقتصادي ليس عدوًا للقيم الرياضية، بل هو حارسها وضمان ديمومتها.

الكتاب بين النظرية والواقع

أصعب ما واجهته أثناء التأليف كان تحقيق التوازن بين الدقة الأكاديمية والواقع العملي.
فمن جهة، كنت حريصًا على التأسيس لكل فكرة على نظرياتٍ اقتصاديةٍ رصينة وأطرٍ تحليليةٍ دقيقة.
ومن جهة أخرى، أردت أن يكون الكتاب مفيدًا ومفهومًا للعاملين في الميدان.
فالرياضة لا تُدار في المختبرات، بل في الملاعب والأندية والمجتمعات والمؤسسات الوطنية.

ولذلك كنت أطرح على نفسي أثناء الكتابة سؤالًا متكررًا:

  • هل يمكن لهذا المفهوم أن يساعد المدير الرياضي على اتخاذ قرارٍ أفضل؟

  • هل يمكن أن يعين صانع القرار على تجنّب أخطاء مكلفة؟

  • هل يمكن أن يقنع طالبًا بأن الرياضة مهنةٌ اقتصادية قابلةٌ للنمو والاستثمار؟

وإن لم تكن الإجابة نعم، كنتُ أعيد الصياغة.

من يخاطبهم هذا الكتاب

يتوجّه كتاب «اقتصاديات الرياضة الجديدة» إلى شرائح متعددة، لأن كل جهةٍ تسهم في تشكيل مستقبل الرياضة:

  • المؤسسات الرياضية: فيزوّدها بأدواتٍ للتخطيط الاستراتيجي والاستدامة المالية والاستثمار الواعي، ويدعوها للتحرّر من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي نحو نماذج إيراداتٍ متنوّعة ومسؤولة.

  • الحكومات وصنّاع القرار: ليعرض الرياضة كقطاعٍ اقتصاديٍّ قادرٍ على المساهمة في التشغيل والسياحة والتنمية الحضرية والدخل الوطني، متى ما أُدير ضمن أطرٍ قانونيةٍ واقتصاديةٍ واضحة.

  • القطاع الخاص: ليوضّح أن الرياضة فرصة استثمارية مشروعة واستراتيجية لا مغامرة رمزية.

  • الطلاب والباحثون: لتزويدهم بأساسٍ علمي يساعدهم على دراسة الرياضة بمنهجٍ اقتصادي ويفتح أمامهم آفاقًا للبحث والابتكار والنمو المهني.

  • Why I Wrote The New Economics of Sport: Reflections on a Journey Between Knowledge and Practice

أثره في الناس قبل المؤسسات

مع أن التركيز على المؤسسات الرياضية هو محور الاقتصاد الرياضي، فإن الإنسان يظل القلب النابض لهذا الكتاب.
فالرياضيون والمدربون والإداريون والطلاب والجماهير جميعهم يتأثرون بالقرارات الاقتصادية مباشرةً أو غير مباشرة.

فالتخطيط المالي الضعيف يمكن أن يقصّر أعمار المسيرات الرياضية، ويحدّ من فرص الشباب، ويهدر الموارد العامة.
أما التفكير الاقتصادي الرشيد فيمكن أن يوفر الوظائف، ويحسن بيئة الأداء، ويضمن الاستمرارية عبر الأجيال.

ولذلك، إن ساعد هذا الكتاب ولو عددًا قليلاً من القرّاء على إعادة التفكير في أثر القرارات الاقتصادية على الإنسان في الرياضة، فقد حقق غايته.

مسؤولية إقليمية

كان أحد أبرز دوافع الكتاب الحاجة إلى بحثٍ علميٍّ واعٍ بالسياق المحلي.
فمنطقتنا العربية لها خصائص ديموغرافية وثقافية ومؤسسية فريدة، واستيراد النماذج الاقتصادية دون تكييفٍ واقعي يؤدي غالبًا إلى الإخفاق.
أردت أن يتحدث هذا الكتاب من داخل واقعنا العربي، مع الاعتراف بالتجارب العالمية ولكن استنادًا إلى تحدياتنا المحلية.
فالرياضة العربية تمتلك طاقاتٍ هائلة، لكن إطلاقها يحتاج إلى تقييمٍ صريحٍ وتفكيرٍ اقتصادي استراتيجي.

نظرة إلى المستقبل

لا أعتبر «اقتصاديات الرياضة الجديدة» خاتمةً بقدر ما هو منصة انطلاق للحوار والبحث والإصلاح.
فسوف يستمر اقتصاد الرياضة في التطور كلما تغيّرت التقنيات والإعلام والأسواق العالمية، ولذا يجب أن يتطور تفكيرنا معه.

لقد كانت رحلة التأليف شاقة لكنها ثرية، جمعت فيها خبرة التدريس والبحث والملاحظة في عملٍ واحدٍ نابعٍ من القناعة لا من الواجب.
وأتمنى أن يصل هذا الكتاب إلى قاعات الدرس ومكاتب الإداريين وصُنّاع القرار، ليُسهم في النقاش حول مستقبل الرياضة في منطقتنا.

فحين تُدار الرياضة بحكمةٍ اقتصاديةٍ وأخلاقية، يتجاوز أثرها حدود الملاعب ليصل إلى المجتمع بأسره.