كتبت هذا الكتاب لأن الرياضة والسياحة، حين تلتقيان بالطريقة الصحيحة، لا تخلقان مجرد فعاليات؛ بل تصنعان قيمة اقتصادية وحوارًا ثقافيًا وصورة حيّة للأمة.
وقد جاء هذا العمل ثمرة تعاون مع زميلي الدكتور هشام عبد الحليم محمود، كمحاولةٍ لتقديم مرجعٍ شامل يفسّر لماذا أصبحت دولة الإمارات واحدة من أكثر الوجهات ملاءمة للسياحة الرياضية، وكيف تساهم كل إمارةٍ من إماراتها السبع في بناء «تجربة رياضية» متكاملة تشكل معًا هويةً وطنيةً موحّدة.

تُعدّ السياحة من أهم القطاعات الاقتصادية المؤثرة مباشرة في العديد من الدول، وخصوصًا تلك التي تمتلك مقوماتٍ طبيعية وبشرية قوية، والإمارات من أبرزها.
وفي المقابل، أصبحت الرياضة عنصرًا محوريًا في ثقافة المجتمعات وجاذبًا سياحيًا وثقافيًا وسياسيًا بالغ القوة، لا مجرد نشاطٍ ترويحي.
لطالما شدّني ذلك التقاطع بين المجالين: حين تخرج الرياضة من حدود الملاعب لتصبح لغةً يُزار من خلالها البلد وتُختبر وتُحفر في الذاكرة.
ومع مرور الوقت لاحظت تحوّلًا عالميًا لافتًا؛ إذ أخذت السياحة والرياضة تخدمان بعضهما البعض، وأصبح كثير من الناس يفضلون قضاء إجازاتهم في ممارسة الرياضة أو حضور فعالياتها في وجهاتٍ يعتبرونها متقدمة.
ومن هنا نشأ ما وصفه الكتاب بـ «السياحة النشطة» التي تقوم على الحركة والمشاركة والتجربة بدلًا من الاكتفاء بالمشاهدة.
ولا تقتصر السياحة الرياضية على ممارسة النشاط فحسب، بل تشمل حضور الفعاليات والمهرجانات الرياضية العالمية والاستمتاع بها كمشاهدٍ ومشاركٍ في الأجواء.
ومن هنا اتضحت الدافعية الحقيقية وراء الكتابة:
الإمارات تنجز الكثير في هذا المجال، لكن الطلاب والباحثين والمهتمين لم يكن لديهم مرجع عربي أكاديمي يوحّد المعرفة ويشرح مكوّنات هذا القطاع عبر الإمارات السبع.
تلك الفجوة كانت نقطة البداية الحقيقية لمشروع الكتاب.
لقد سعت دولة الإمارات بوعيٍ وتخطيطٍ واضحين إلى توفير متطلبات ممارسة الرياضة ومشاهدتها: ملاعب، منشآت رياضية عالمية، مرافق إقامة، وخدمات مساندة في جميع إماراتها.
وكل إمارة تمتلك خصوصيتها الثقافية والسياحية، التي تظهر في نوع الفعاليات التي تستضيفها والمنشآت التي تبنيها، وفي شكل المتعة التي تمنحها للسائح الباحث عن تجربة متميزة.
وقد استخدم الكتاب تشبيهًا أحبه كثيرًا: أن «الإمارات السبع تشكّل عقدًا من اللآلئ»، موصولة بخيطٍ واحد من الرؤية الوطنية، وهو ما يجعل الإمارات من أكثر الدول ملاءمة للسياحة الرياضية على مستوى العالم.
وليس هذا التعبير مجازيًا فحسب، بل واقع استراتيجي؛ فالتنوّع هو أحد أقوى مزايا السياحة الرياضية، والوجهة التي يمكنها أن تجمع في فضائها الواحد رياضات الصحراء والبحر والجولف العالمي والتراث الشعبي والملاعب الحديثة والسياحة العائلية تمتلك ميزةً تنافسية سعت دول عدة لعقودٍ لبنائها.
من هذا المنطلق، لم يكن هدف الكتاب تمجيد الإمارات، بل دراستها كنموذجٍ عاملٍ ومتكاملٍ: ما هي مواردها؟ كيف تتبادل هذا التكامل؟ ما الذي يجعلها جذّابة؟ وكيف يمكن فهم هذا القطاع أكاديميًا وتطويره عمليًا؟
بدأت المقدمة بتوضيح الهدف: تزويد القارئ بما يشبع حاجته من معرفة حول السياحة الرياضية في الإمارات، وتقديم مرجعٍ يُظهر مكوّنات الدولة الطبيعية والبشرية ومنشآتها وفعالياتها الرياضية في الإمارات السبع، مساندًا لفكرة أن الإمارات أصبحت «عاصمة الرياضة» في العالم العربي والشرق الأوسط.
ولهذا جرى تنظيم الكتاب في عشرة فصول متكاملة، شُكّلت بعناية لأن السياحة الرياضية نظامٌ شامل يجمع بين الجغرافيا والبنية التحتية والتراث والمؤسسات والأحداث وتجربة الزائر.
المقومات الطبيعية والبشرية للسياحة الرياضية في دولة الإمارات:
يستعرض الجغرافيا والمناخ وشبكات النقل والبنى التحتية والمرافق السياحية، مؤكدًا أن البيئة السياحية القوية تفقد قيمتها إن لم تكن يسهل الوصول إليها.
الرياضة في التراث الشعبي الإماراتي:
نرصد الرياضات المتجذرة في الموروث الإماراتي التي مارسها الأجداد وما زالت حاضرة اليوم — تراثٌ حيّ يُقدَّم بمسؤولية للزائرين لا كذكرى متحفية بل كمنتجٍ مستدام.
لمحة عامة عن السياحة الرياضية في الإمارات:
يتناول موقع الدولة وإماراتها السبع، والرياضات المميزة بكل إمارة، وأمثلة من الأحداث التي استضافتها، مع الإشارة إلى المجالس والجوائز الرياضية الوطنية.
4–10. السياحة الرياضية في كل إمارة على حدة:
أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، رأس الخيمة، أم القيوين، والفجيرة. يعرض كل فصل مقوّمات الإمارة، ومنشآتها، وفعالياتها، لتتضح فكرة أن لكل إمارة شخصيتها السياحية الخاصة ضمن نموذج وطني متكامل.
لم يكن إعداد 618 صفحة مجرد جمعٍ للمعلومات؛ بل كان تعبيرًا عن احترامٍ للمجال والقارئ والوطن.
فالسياحة الرياضية تتقاطع مع الاقتصاد والإدارة والجغرافيا والثقافة والتخطيط العمراني وتنظيم الفعاليات، وهذه التشعّبات كان يمكن أن تجعل العمل متشظيًا، أما التحدي فكان في جعله منسجمًا وواضح النسق.
كما سعيت لأن يخاطب الكتاب أكثر من فئة واحدة:
الأكاديمي الباحث عن منهجيةٍ واضحة وتعاريف دقيقة.
المنفّذ والمهني في السياحة أو الرياضة أو تنظيم الفعاليات، المحتاج إلى خريطةٍ عملية للفرص.
الطالب الذي يريد تأسيسًا معرفيًا متينًا لبحثه المستقبلي.
عاشق الرياضة الذي يبحث عن فهم أعمق لسرّ نجاح بعض الوجهات الرياضية.
وجاء الإهداء معبّرًا عن هذا التنوع؛ فهو موجه إلى قادة دولة الإمارات، وكل محب للسياحة الرياضية وللإمارات، وإلى العائلات والزملاء والأساتذة داخل المجال وخارجه، وإلى الطلاب والباحثين — لأننا نؤمن أن المعرفة لا تُنتَج في عزلة، بل تنمو من المجتمع والتجربة والمشترك الإنساني.
السياحة الرياضية ليست مجرد موضوع سياحي، بل صناعة تتطلب تنسيقًا وتخطيطًا احترافيًا، لذلك يخدم الكتاب عدة فئات:
العاملون في السياحة والتخطيط المكاني: لأن الكتاب يرسم مسار الجذب السياحي ويربطه بالبنية التحتية والخدمة.
الإداريون ومنظّمو الأحداث الرياضية: لأن الكتاب يوثّق العلاقة بين الاستضافة والمنشآت وتجربة الزائر.
الباحثون وطلبة الدراسات العليا: بما يقدمه من إطارٍ علمي من عشرة فصول فرعية وتفاصيل تدعم دراسات الاقتصاد الرياضي وإرث الفعاليات والعلامة السياحية.
المستثمرون والرعاة: لأن السياحة الرياضية تزدهر عندما تتكامل المرافق والنقل والإقامة والأنشطة في منتجٍ اقتصادي واحد.
الرياضيون والجماهير: لأن السياحة الرياضية تجمع بين الممارسة والمشاهدة، والإمارات توفّر كليهما بمستوى عالمي.
أكدت المقدمة أن الإمارات تمتلك منشآت رياضية ومواقع استضافة عالمية المستوى في إماراتها السبع، وأن هذا التنوع هو أحد أسباب ريادتها في السياحة الرياضية.
والهدف من الكتاب إظهار أن هذا النجاح ليس صدفة، بل نتيجة تخطيطٍ متكامل: تفوّق جغرافي وبنية تحتية متطورة واستراتيجية استضافة مدروسة وحفاظ على التراث الثقافي.
وفي أُفقٍ أوسع، تمنّيت أن يسهم الكتاب في دعم المكتبة الرياضية العربية بتناول السياحة الرياضية كعلمٍ ومجالٍ مهني جاد، لا موضوعًا هامشيًا.
فعندما يُوثَّق أي تخصص علميًا يصبح قابلًا للتعليم، وعندما يُدرّس يصبح قابلًا للتطوير.
اختُتمت المقدمة بمخاطبة القارئ مباشرة: مهما كان موقعك — إداريًا أو سياحيًا أو رياضيًا — فهذا جهدٌ متواضع نقدّمه، ونرحّب بالتغذية الراجعة لأن الهدف هو تحسين واقع السياحة الرياضية وتوسيع أفق الباحثين والرياضيين تجاهها.
وكرّرنا المبدأ الذي نؤمن به: الإتقان مسؤولية، وكل مجالٍ جاد يستحق عملاً جادًا.
لقد كُتب هذا الكتاب بأملٍ بسيط وواضح: أن تُفهم السياحة الرياضية في منطقتنا بوصفها فرصة استراتيجية تبني الاقتصاد، وتفتح الثقافات على بعضها، وتمنح الرياضة طريقًا جديدًا لخدمة المجتمع يتجاوز حدود المنافسة.