لم أصبح باحثاً لأنني خططت لذلك، بل لأنني لم أكن أملك ثمن البدائل.
ما بين ورقة بحثية مزقها أستاذي، وجهاز كمبيوتر كنت أستعيره ليلاً، بدأت رحلة امتدت لأكثر من 22 عاماً في البحث العلمي.
لا شك أن كل واحد منا مرت عليه في حياته صدف، أو بالأحرى فرص. منا من استثمرها، ومنا من مرت عليه مرور الكرام. أما أنا فأدعي أنني شخص يجيد استثمار الفرص، واليوم سأتحدث عن عدد من الفرص والظروف الاقتصادية التي ساهمت في بناء شخصيتي كباحث.
كانت البداية عندما التحقت بمرحلة الماجستير في الكلية، ولم تكن ظروفي المادية في تلك الفترة في أفضل حالاتها.
أتذكر جيداً أول ورقة بحثية طلبها مني أستاذي في الإدارة الرياضية الأستاذ الدكتور سمير عبدالحميد. وفي ذلك الوقت كنت أظن أنها تشبه الأبحاث التي كنا نقدمها خلال الدراسة الجامعية، فقمت بكتابتها بخط اليد وذهبت بها إلى المحاضرة.
لتكون المفاجأة أن الدكتور مزقها أمامي وأخبرني بشروط الورقة البحثية: أن تكون مكتوبة على الكمبيوتر، وأن يتضمن البحث ما لا يقل عن عشرة مراجع عربية وأجنبية.
كانت صدمة بالنسبة لي. لكنني لم أكن أعلم أن هذه الصدمة ستكون أول درس حقيقي في رحلتي كباحث.
فأنا لم أكن أمتلك جهاز كمبيوتر، كما أن إمكاناتي المادية لم تكن تسمح لي بتصوير المراجع من مكتبة الكلية. لذلك اضطررت إلى قضاء ساعات طويلة داخل المكتبة بين الكتب والمراجع، أدون ما أحتاجه بخط اليد. لكنني اصطدمت بمشكلة أخرى.
فالمراجع الموجودة في مكتبة الكلية في تخصص الإدارة الرياضية كانت قليلة، وأغلبها قديم، كما كانت المراجع الأجنبية نادرة للغاية.
وما اعتبرته وقتها عقبة، تحول بعد سنوات إلى أحد الأسباب التي دفعتني إلى تأليف 11 كتاباً في الإدارة الرياضية.
وللتغلب على هذا التحدي، ذهبت إلى مكتبة الإسكندرية للبحث في التخصص الأم، وهو إدارة الأعمال.
وعندما أغلقت مكتبة الكلية بعض الأبواب أمامي، فتحت مكتبة الإسكندرية أبواباً لم أكن أعرف بوجودها أصلاً.

قمت باستخراج عضوية تتيح لي استخدام غرفة الباحثين، وأصبحت أقضي معظم ساعات يومي بين المراجع العربية والأجنبية في إدارة الأعمال، وهو ما ساهم بشكل كبير في توسيع مداركي ومعارفي.
أما التحدي الآخر، فكان أن الدكتور يريد الأبحاث مكتوبة على الكمبيوتر.
وكان لدي عدد من الأصدقاء المعيدين يقيمون في إحدى الشقق السكنية في أبو قير، وكانوا ينتهون من استخدام جهاز الكمبيوتر الخاص بهم في حوالي الساعة العاشرة مساءً ثم يخلدون إلى النوم.
أما أنا، فكانت مهمتي تبدأ عند العاشرة مساءً. كنت أستلم الجهاز حتى ساعات الفجر الأولى، أكتب ما قمت بنقله يدوياً من المكتبة خلال النهار.
وهكذا تعلمت مهارة جديدة لم أكن أخطط لتعلمها، وهي الكتابة والتنسيق على الحاسب الآلي.
واستمرت هذه الرحلة طوال فترة الماجستير. وعندما التحقت بمرحلة الدكتوراه، وجدت نفسي أمام فرصة جديدة لاكتساب مهارات أخرى.
وإذا كان الماجستير قد علمني كيف أبحث، فإن الدكتوراه علمتني كيف أتعلم بنفسي.
كانت أستاذتنا في مادة البحث العلمي، المغفور لها بإذن الله الأستاذة الدكتورة سوسن عبدالمنعم، صاحبة متطلبات علمية صارمة كان معظم طلاب الدكتوراه يهابونها بسببها.. فكانت تشترط على كل طالب إحضار عشرة ملخصات حديثة باللغة الإنجليزية في مجال التخصص، وترجمتها إلى العربية، ثم عرضها عليها، ونظراً لإمكاناتي المادية المحدودة، قررت أن أبحث عنها بنفسي عبر الإنترنت بدلاً من اللجوء إلى المكاتب المتخصصة، ثم تعلمت ترجمتها بنفسي أيضاً.
وكانت تلك أول نافذة حقيقية أطل منها على العالم البحثي خارج حدود ما كنا ندرسه داخل القاعات الدراسية.
ومع مرور الوقت بدأت أساعد بعض الزملاء في الحصول على الدراسات وترجمته، وفي مرحلة لاحقة طلبت منا الدكتورة سوسن الحصول على الدراسات كاملة، على أن تكون منشورة خلال آخر خمس سنوات، وكان ذلك تحدياً جديداً، لأن أغلب هذه الدراسات كانت موجودة داخل قواعد بيانات علمية مدفوعة.
ثم جاءت واحدة من أجمل المصادفات التي غيرت علاقتي بالبحث العلمي بالكامل.
ففي إحدى مرات البحث داخل المكتبة، وجدت على أحد أجهزة الحاسب متصفح الإنترنت مفتوحاً، وعندما بحثت عن الدراسات المطلوبة فوجئت بإمكانية تحميلها مباشرة.
وعرفت لاحقاً أن المكتبة كانت مشتركة في عدد كبير من قواعد البيانات العلمية العالمية.
ومن خلال عضويتي استطعت إرسال الدراسات إلى حسابي بالمكتبة ومنها إلى بريدي الإلكتروني.
لتفتح أمامي نافذة جديدة على العالم.
ومنذ تلك اللحظة لم أعد أبحث عن المعلومة داخل رفوف المكتبات فقط، بل أصبحت أبحث عنها في العالم كله.
ومع كثرة القراءة والاطلاع والترجمة، بدأت أتعلم شيئاً فشيئاً كيف أفكر كباحث، لا كمترجم فقط.
كما توسعت معارفي في علوم الرياضة بمختلف تخصصاتها، حتى حصلت على درجة الدكتوراه، وكنت أظن أن رحلتي مع البحث العلمي توقفت عند حدود الرسالة العلمية.
لكنني اكتشفت بعد ذلك عالماً جديداً اسمه المؤتمرات العلمية.
ففي إحدى مرات البحث على الإنترنت، علمت أن هناك مؤتمرات علمية تتطلب إعداد أبحاث علمية وفق معايير محددة للمشاركة فيها.
فبدأت أبحث وأتعلم، ثم عرضت على عدد من زملائي الباحثين من الوافدين أن نتعاون في إعداد الأبحاث والمشاركة في المؤتمرات العلمية.
وكانت البداية في الأردن، ثم الكويت، ثم توالت المشاركات بعد ذلك، واستمرت الرحلة بالمشاركة في أكثر من 20 مؤتمراً علمياً، ونشر 13 بحثاً علمياً، والحصول على 3 جوائز دولية في مجال البحث العلمي الرياضي.
ونظراً لندرة الكتب العلمية في مجال الإدارة الرياضية، قمت بإصدار 11 كتاباً في هذا المجال بالتعاون مع عدد من الأساتذة والزملاء الأعزاء.
وعندما أنظر اليوم إلى تلك السنوات، أكتشف أن أكبر مكاسبها لم تكن الماجستير أو الدكتوراه أو الجوائز، بل المهارات التي اكتسبتها وأنا أحاول التغلب على ما لم أكن أملكه.
وبعد رحلة امتدت لأكثر من 22 عاماً، أقول بكل صدق:
من الأهمية بمكان أن نستثمر كل فرصة للتعلم والعمل والنمو، مهما بدت صغيرة أو عابرة، وأنصح كل باحث وطالب علم أن يوسع دائرة قراءاته، وألا يكتفي بالمراجع الموجودة داخل مكتبات الكليات، خصوصاً إذا كانت قديمة أو غير محدثة، كما أنصح بشدة بالاطلاع على قواعد البيانات العلمية العالمية، ولا سيما الدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية، لما توفره من معارف وأفكار وخبرات حديثة، والأهم من ذلك كله أن تحرص على تعلم أكثر من لغة، لأن اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل نافذة جديدة على المعرفة، ولا تجعل ضعف الإمكانات عائقاً أمامك في أي مرحلة من مراحل حياتك.. بل اجعله دافعاً للتعلم، واكتساب المهارات، والتغلب على التحديات.
وفي هذا السرد، لا أدعي البطولة أو التميز، وإنما أواصل فتح نافذة أشارك من خلالها تجربة شخصية ورحلة امتدت لسنوات طويلة، لعل فيها ما يفيد أو يلهم باحثاً أو طالب علم في بداية طريقه.
وللحديث بقية…