كنت أظن أن الرياضة تُدار داخل الملاعب… حتى اكتشفت أن مستقبلها يُصنع خلف المكاتب.
وهناك تعلمت أن القانون لا يقل أهمية عن الملعب، وأن نجاح المؤسسة الرياضية يبدأ من فهم اللوائح قبل إطلاق صافرة البداية.
في اللحظة التي كنت أتعافى فيها من صدمة ضياع حلمي بعد التخرج، وفي الوقت الذي لم أكن أتخيل فيه نفسي موظفاً، كانت أولى محطاتي في العمل الحكومي من بوابة مديرية الشباب والرياضة.
لم تكن هذه المحطة ضمن أحلامي، لكنها كانت من أكثر المحطات التي أثرت في تكويني المهني، وأعادت تشكيل طريقة تفكيري في الإدارة والرياضة والعمل المؤسسي.
أُتيحت لي الفرصة للعمل في قطاعين مختلفين، ولكل منهما بصمته الخاصة في شخصيتي وخبرتي.
كانت البداية في إدارة الهيئات الرياضية.
وهناك أدركت لأول مرة أن الرياضة ليست مباريات وبطولات فقط، بل منظومة متكاملة تحكمها القوانين واللوائح والإجراءات، وأن ما يحدث داخل الملعب ليس سوى جزء صغير من الصورة، بينما يُصنع الجزء الأكبر منها خلف المكاتب.
كانت هذه الإدارة نافذة استثنائية للاطلاع على محاضر اجتماعات مجالس إدارات الأندية ومراكز الشباب وفروع الاتحادات الرياضية، ومتابعة القرارات، والاطلاع عن قرب على آلية صناعة القرار الإداري الذي يرسم مستقبل الرياضة والشباب، من أعلى مستويات الإدارة وحتى أدق التفاصيل التنفيذية، إلى جانب ممارسة الدور الرقابي الذي تضطلع به مديرية الشباب والرياضة باعتبارها الجهة الإدارية صاحبة الولاية على الهيئات الرياضية.
ومع مرور الوقت، أصبحت أتعامل مع قضايا ومواقف تتطلب قراءة دقيقة للقانون، وفهماً عميقاً للوائح المنظمة للعمل الرياضي.
وهناك تلقيت واحدة من أهم النصائح التي غيرت طريقة تفكيري حتى اليوم.
قال لي أحد الزملاء الذين كنت أعتبرهم مدرسة حقيقية في قانون الرياضة:
“قبل أن تعمل في الرياضة… اقرأ القانون جيداً، وافهم اللوائح جيداً، وبعدها فقط ابدأ العمل.”

قد تبدو نصيحة بسيطة. لكنني اكتشفت مع مرور السنوات أنها كانت من أثمن النصائح التي تلقيتها في حياتي المهنية. فالقانون لم يكن بالنسبة لي مجرد مواد تُحفظ، بل أصبح أداة لفهم المؤسسات، وتحليل القرارات، والتعامل مع الأزمات، وتقديم المشورة. وكانت تلك المرحلة مدرسة عملية تعلمت فيها من زملاء أعتبرهم بحق خبراء في قانون الرياضة واللوائح المنظمة للهيئات الرياضية والشبابية.
تعلمت منهم أن الخبرة الحقيقية لا تُقاس بعدد سنوات العمل، وإنما بقدرتك على فهم التفاصيل التي لا يراها الآخرون.
فبين سطور محاضر الاجتماعات وقرارات مجالس الإدارات تختبئ الكثير من الأسرار، وأثناء الإشراف على الانتخابات أو أعمال التفتيش الإداري على الهيئات الرياضية تكتشف وجهاً آخر للرياضة لا يراه الجمهور.
فالملعب الإداري لا يقل أهمية عن المستطيل الأخضر، وخلف كل قرار تكتيكات لا تقل تعقيداً عن تكتيكات المدربين داخل الملعب.
وبعد فترة، انتقلت إلى تجربة مختلفة تماماً داخل الإدارة العامة للرياضة، من خلال قطاع الرياضة للجميع.
وهنا تغير المشهد بالكامل.
انتقلت من متابعة اللوائح والقرارات إلى ميادين العمل الميداني، وتنظيم الفعاليات والمهرجانات الرياضية، والعمل مع مختلف فئات المجتمع. واكتشفت أن الرياضة ليست فقط لصناعة الأبطال، بل هي أيضاً وسيلة لبناء مجتمع أكثر صحة، وأكثر تماسكاً، وأكثر سعادة. وكانت هذه التجربة مدرسة أخرى تعلمت فيها كيف تُخطط الفعاليات الرياضية، وكيف تُدار البرامج المجتمعية، وكيف يتحول العمل الجماعي إلى نجاح يلمسه الناس على أرض الواقع.
تعلمت من كل زميل عملت معه شيئاً جديداً. فلكل واحد منهم خبرة مختلفة، وطريقة مميزة في التفكير والعمل، وكانت الخبرات تنتقل بيننا بصورة يومية أثناء العمل.
وأستطيع أن أقول بكل صدق إنها كانت من أمتع الفترات التي عملت فيها.
فقد كانت بيئة العمل محفزة إلى درجة كبيرة، وهناك أدركت قيمة بيئة العمل الإيجابية، وكيف يمكن لفريق متعاون أن يرفع مستوى الأداء، ويصنع الفارق في أي مؤسسة. ومن كل فعالية خرجت بخبرة. ومن كل تحدٍ تعلمت درساً. ومن كل يوم عمل خرجت بقناعة جديدة.
واليوم، وبعد مرور كل هذه السنوات، أدرك أن تلك المرحلة لم تمنحني وظيفة فقط… بل منحتني طريقة مختلفة للنظر إلى الرياضة.
فلم أعد أراها مجرد منافسات وبطولات.بل منظومة متكاملة تبدأ بالتشريع، وتمر بالإدارة، وتنتهي بخدمة الإنسان.
ولو لم أخض تلك التجربة، لما فهمت أن الإدارة ليست وظيفة… بل مسؤولية. وأن القانون ليس عائقاً… بل هو الضمان الحقيقي لنجاح المؤسسات واستمرارها وعدالة قراراتها.
وإذا كان لهذه الحلقة من رسالة… فهي:
لا تستهن بأي وظيفة تبدأ بها. فربما تكون محطة لم تخطط لها… لكنها تصنع النسخة الأقوى منك. واقرأ القانون قبل أن تمارس الإدارة، وافهم اللوائح قبل أن تصدر الأحكام، فالمعرفة هي أول خطوة نحو القيادة، والخبرة الحقيقية تبدأ حين تعرف لماذا اتُّخذ القرار، لا مجرد ماذا كان القرار. وقد تغيّر الوظائف مساراتنا… لكن الدروس التي نتعلمها خلالها هي التي تغيّر حياتنا.
وللحديث بقية…