هناك جامعات تمنحك شهادة… وهناك جامعات تمنحك شخصية.
كنت أظن أن رحلتي مع جامعة الإسكندرية انتهت يوم تخرجي… لكنني اكتشفت لاحقاً أن أجمل فصولها لم تكن في قاعات الدراسة، بل في ميادين العمل. لم تكن تسع سنوات قضيتها هناك مجرد وظيفة… بل كانت المعمل الحقيقي الذي تشكلت فيه هويتي المهنية.
لم يتوقف دور جامعة الإسكندرية في حياتي عند كونها الجامعة التي انتسبت إليها طالباً في كلية التربية الرياضية، ثم باحثاً في رحاب الدراسات العليا، بل امتد أثرها إلى أهم مرحلة في مسيرتي المهنية.
فقد كانت الإدارة العامة لرعاية الشباب واحدة من أعظم المدارس العملية التي تعلمت فيها كيف تُدار المؤسسات، وكيف تُصنع الفرق، وكيف تتحول الأفكار إلى إنجازات.
تسع سنوات كاملة لم تكن مجرد سنوات عمل… بل كانت سنوات تعلم، وتجربة، ونضج، وبناء.
وهناك أدركت أن الرياضة الجامعية ليست نشاطاً… بل رسالة.
عندما التحقت بإدارة النشاط الرياضي، اكتشفت أن مسؤوليتنا لم تكن تنظيم البطولات فقط.. بل كانت أكبر من ذلك بكثير.
كنا معنيين باستثمار طاقات آلاف الطلبة والطالبات، وفتح مساحات لهم لاكتشاف مواهبهم، وصناعة بيئة جامعية يكون فيها النشاط الرياضي جزءاً من بناء الإنسان، لا مجرد منافسة على كأس أو ميدالية.
وفي الوقت نفسه، كانت الجامعة تمتلك منظومة احترافية لإعداد منتخباتها الرياضية، تعمل وفق أسس تنظيمية وإدارية تستحق التقدير.
ومنذ يومي الأول، اتخذت قراراً مع نفسي.
أن أغادر كل مكان وأنا أترك فيه أثراً أفضل مما وجدته.
فهذه قيمة آمنت بها منذ سنوات، وما زلت أحاول أن أعيشها في كل محطة من محطات حياتي.
ومن هنا جاءت أولى مبادراتي داخل الإدارة.

عملت على تصميم نظام إلكتروني لتسجيل الطلاب المشاركين، والاعتماد على مخرجاته في إدارة البطولات، وتحليل بيانات المشاركة، وإعداد النتائج، وإصدار التقارير، ربما كان الأمر في ذلك الوقت جديداً نسبياً. لكنني كنت مؤمناً أن التطور الإداري يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع التطور التقني. ففي عصر يتغير كل يوم، لا يمكن أن تبقى الإدارة تعمل بعقلية الأمس.
وهناك تعلمت أن البطولات لا تبدأ داخل الملعب.
في بطولات الجامعة تجد فريق إدارة النشاط الرياضية بمثابة لجنة إدارة مسابقات معنية بالتخطيط وإدارة مسابقات وبطولات الجامعة .. ومع مرور الوقت، أدركت أن لجنة المسابقات ليست لجنة تنظيم فقط. بل هي عقل البطولة. فهي التي تضع اللوائح، وتنظم الجداول، وتتابع أهلية اللاعبين، وتدير النتائج، وتعالج الاعتراضات، وتصدر التقارير الختامية. وكان العمل فيها يشبه إلى حد كبير العمل داخل الاتحادات الرياضية المحترفة. تعلمت خلالها أن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع النجاح الكبير.
ثم جاءت محطة الإداري الرياضي… وكانت درساً آخر. كان كثيرون يختصرون دور الإداري الرياضي في الحجز، والسفر، وتسجيل اللاعبين. لكنني اكتشفت أن هذا مجرد جزء صغير من الصورة. فالإداري الناجح هو شريك للمدرب، لا مجرد منفذ للإجراءات.. عليه أن يدرس لوائح البطولة.. ويتابع نتائج المنافسين، ويحلل أوضاع الفرق الأخرى، ويراجع أهلية اللاعبين، ويعرف كل تفصيلة قد تصنع الفارق.
وهنا تعلمت درساً ما زلت أؤمن به حتى اليوم: المباريات لا تُحسم داخل الملعب فقط… بل قد تُحسم خارجه أيضاً، فقد يكون بند في اللائحة… أو قراءة صحيحة لشروط البطولة… أو معلومة دقيقة عن المنافس… سبباً في الفوز، تماماً كما قد يكون هدفاً في الدقيقة الأخيرة.
لكن الجامعة لم تمنحني خبرة الرياضة فقط… بل علمتني كيف تُدار منظومة الشباب كاملة.
فبعد سنوات، امتدت مسؤولياتي إلى الأنشطة المجمعة لطلاب الجامعات المصرية، مثل:
وتوليت خلالها مسؤولية التنسيق العام بين مختلف مجالات رعاية الشباب: (الرياضية… والثقافية… والفنية… والجوالة)، وهناك تغيرت زاوية الرؤية تماماً. فلم أعد أنظر إلى كل نشاط بمعزل عن الآخر.. بل أصبحت أرى المؤسسة كوحدة واحدة، يعمل كل قطاع فيها ليكمل الآخر.. وكانت تلك المرحلة بحق واحدة من أغنى المراحل التي عشتها على المستوى الإداري.
وإذا كان هناك فضل بعد الله في تشكيل جزء كبير من شخصيتي المهنية… فهو يعود إلى زملاء وقادة تعلمت منهم قبل أن أعمل معهم.
تعلمت منهم قيمة الالتزام. واحترام الوقت، ودقة التنظيم، والعمل بروح الفريق، وأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد مهما كانت قدراته، بل تصنعه منظومة يعرف كل فرد فيها دوره، ويؤديه بإخلاص.
وهنا خرجت بدرس لم أتعلمه في أي كتاب.
ليست كل بيئة عمل تمنحك راتباً فقط. بعض بيئات العمل تمنحك ما هو أثمن من ذلك بكثير… تمنحك الخبرة. وتصنع شخصيتك. وتفتح لك آفاقاً لم تكن تراها. وتجعلك أكبر من المسمى الوظيفي الذي تحمله.
وإذا كان لهذه الحلقة من رسالة… فهي:
لا تبحث فقط عن وظيفة… بل ابحث عن المكان الذي يصنع منك إنساناً أفضل. واترك في كل مكان تعمل فيه أثراً يسبق اسمك، ويبقى بعد رحيلك. وتذكر دائماً أن المؤسسات العظيمة لا تصنعها المباني… بل يصنعها الأشخاص الذين يؤمنون برسالتها ويضيفون إليها كل يوم شيئاً جديداً.
أما أنا… فما زلت أؤمن أن أجمل ما خرجت به من تلك السنوات لم يكن منصباً، ولا إنجازاً، ولا شهادة… بل الإنسان الذي أصبحت عليه بعدها.
وللحديث بقية…