رحلتي بين الإخفاق والمعافرة (7) حين أصبحت الإدارة شغفاً

أغسطس 12, 2026
Share

لم تكن الإدارة بالنسبة لي وظيفةً أو منصباً… بل أصبحت شغفاً أمارسه كل يوم، وأتعلم منه كل يوم.

هناك أدركت أن البطولات لا تُصنع داخل الملاعب فقط، بل تبدأ من خلف الكواليس، حيث تُكتب اللوائح، وتُحلل البيانات، وتُتخذ القرارات التي قد تصنع الفارق بين الفوز والخسارة.

بعد سنوات من العمل في القطاع الحكومي والرياضة الجامعية، جاءت محطة جديدة كان لها أثر بالغ في تشكيل فلسفتي في الإدارة.. كانت هذه المرة داخل نادي سموحة الرياضي، أحد أعرق وأكبر الأندية في محافظة الإسكندرية، وإحدى القلاع الرياضية البارزة في مصر. وهناك لم أتعلم فقط كيف تُدار الفرق الرياضية، بل اكتشفت أن الإدارة نفسها يمكن أن تتحول إلى شغف، وأن التفاصيل التي لا يراها الجمهور كثيراً ما تكون هي التي تصنع الإنجازات.

لطالما آمنت بأن الإداري الرياضي ليس مجرد شخص يتولى التسجيل أو إنهاء الإجراءات، بل هو شريك حقيقي في العمل الفني، يسهم في صناعة النجاح تماماً كما يفعل المدرب واللاعب.. وقد أتيحت لي الفرصة لأجسد هذه القناعة عملياً عندما توليت مهام الإداري ثم المدير الإداري في ألعاب مختلفة، كان أبرزها السباحة، والتنس، والجمباز، وكانت لكل لعبة خصوصيتها، لكن الرسالة التي خرجت بها منها جميعاً كانت واحدة.

وهناك أصبحت التكنولوجيا عضواً في الجهاز الإداري.

كان سؤالي الدائم لنفسي: كيف يمكن للإدارة أن تمنح الجهاز الفني ميزة إضافية؟

وكانت إجابتي دائماً: بالمعلومة الصحيحة، وتحليل البيانات، والاستفادة من التكنولوجيا.

في فترة عملي مع فريق السباحة، تعلمت وأتقنت استخدام برامج إدارة مسابقات السباحة العالمية Meet Manager وTeam Manager، حتى أصبحنا ندير البطولات الداخلية للنادي وفق أنظمة احترافية تضاهي ما يُستخدم في البطولات الرسمية.
رحلتي بين الإخفاق والمعافرة  (7) حين أصبحت الإدارة شغفاً

لكنني كنت مؤمناً بأن البيانات لا تقل أهمية عن النتائج، وكنت أكثر إيماناً بأن لكل إنسان بصمة يجب أن يتركها في المكان الذي يعمل فيه. لذلك عملت على تصميم منظومة إلكترونية متكاملة تضم بيانات السباحين، وقياساتهم البدنية، ومستوياتهم الرقمية، وتاريخ مشاركاتهم، وتحليل تطور مستواهم. وخلال البطولات، كنت أعد تحليلاً يومياً لنتائج لاعبينا ونتائج الأندية المنافسة، وأقدمه إلى المدير الفني ليكون أداة تساعده في اتخاذ القرارات الفنية أثناء المنافسات. كما طورت منظومة متكاملة للتقارير وتحليل النتائج، اعتمدت عليها إدارة النشاط الرياضي في استخراج المؤشرات اللازمة لتقييم اللاعبين، ودعم قرارات التعاقد، والتخطيط للمواسم المقبلة. وكان من دواعي سروري أن تصبح إحدى التوصيات التي خرجت بها هذه المنظومة نهجاً يُعمل به لاحقاً في إدارة اللعبة داخل النادي.

ثم أدركت أن الفكر الإداري الناجح لا يرتبط بلعبة واحدة.

عندما توليت منصب المدير الإداري لفريقي التنس ثم الجمباز، كررت التجربة نفسها. أنشأت لكل فريق منظومة إلكترونية متكاملة أصبحت بمثابة سجل مفتوح لكل لاعب، تضم بياناته، وقياساته البدنية، ونتائجه الفنية، وتطوره عبر المواسم، لتكون مرجعاً دائماً للجهاز الفني في التخطيط واتخاذ القرار. وهنا ترسخت لدي قناعة ما زلت أؤمن بها حتى اليوم: القرار الصحيح يبدأ دائماً من معلومة صحيحة.

وهناك تعلمت أن اللوائح قد تحسم بطولة كاملة.

كانت أول خطوة أقوم بها قبل بداية أي موسم هي دراسة لوائح الاتحاد وأنظمة المسابقات بكل تفاصيلها. لم أكن أعتبر ذلك عملاً روتينياً، بل جزءاً أصيلاً من المنافسة. ولهذا أوصي كل إداري رياضي حتى اليوم: “اقرأ اللائحة كما تقرأ خطة المباراة.”

فاللائحة ليست مجرد نصوص قانونية، بل قد تكون سبباً في الحفاظ على حق فريقك، أو حسم بطولة قبل أن تبدأ. وأستطيع أن أقول بثقة إن الإلمام الدقيق باللوائح كان سبباً في حسم أكثر من موقف خلال عملي، ولا سيما في مسابقات التنس لفئة العمومي، حيث صنعت التفاصيل الإدارية الفارق في لحظات حاسمة.

الإدارة الرياضية تبدأ قبل الموسم… ولا تنتهي بعد نهاية البطولة.

قد يظن البعض أن مهمة الإداري الرياضي تقتصر على تسجيل اللاعبين أو إنهاء الإجراءات، لكن الحقيقة أوسع بكثير. فالإداري الرياضي يبدأ عمله قبل انطلاق الموسم، ويمتد إلى إدارة شؤون اللاعبين، والتنسيق مع الأجهزة الفنية، وتنظيم المشاركات والمعسكرات، وتحليل النتائج، وتقديم المعلومات التي تساعد على صناعة القرار. إنها منظومة عمل متكاملة، لا يرى الجمهور منها إلا جزءاً بسيطاً، بينما يبقى الجزء الأكبر منها خلف الكواليس.

وحين تؤمن الإدارة بالتطوير… تتحول الفكرة إلى مشروع.

بعد نجاح الأنظمة الإلكترونية التي طورتها داخل الفرق الرياضية، طُلب مني إعداد منظومة إلكترونية موحدة لإدارة جميع فرق نادي سموحة، بهدف تطوير قواعد البيانات، وتسهيل عمليات التقييم، ودعم اتخاذ القرارات الإدارية والفنية. ورغم أن المشروع لم يكتمل لأسباب تنظيمية خاصة بالنادي، فإن تلك التجربة أكدت لي أن التطوير يبدأ دائماً بفكرة يؤمن بها صاحبها.

ولم تكن تجربتي في نادي سموحة مقتصرة على النشاط الرياضي فقط.

فقد أتيحت لي كذلك فرصة العمل نائباً لمدير العلاقات العامة بالنادي، وهي تجربة أضافت إلى شخصيتي المهنية بعداً مختلفاً. تعلمت خلالها أن الصورة المؤسسية، وبناء العلاقات، والتواصل الفعال مع الأعضاء والشركاء، لا تقل أهمية عن الإنجازات الرياضية، وأن نجاح أي مؤسسة لا يقاس فقط بما تحققه داخل الملاعب، بل أيضاً بما تبنيه من ثقة خارجها.

ثم جاءت محطة الاتحادات الرياضية.

كانت فترة عملي في منطقة الإسكندرية لألعاب القوى نافذة جديدة أرى من خلالها الرياضة من زاوية مختلفة. فمن منظور الاتحاد الرياضي تعمقت في إدارة البطولات، وشؤون اللاعبين، والحكام، واللجان الفنية، وآليات تنظيم المسابقات، وهو ما وسّع فهمي لمنظومة الرياضة بكل مكوناتها، وأكمل الصورة التي بدأت تتشكل لدي داخل الأندية.

وهنا خرجت بدرس لم أتعلمه في أي كتاب.

كلما تعمقت في الإدارة الرياضية، ازددت يقيناً أن النجاح لا تصنعه الموهبة وحدها… بل تصنعه منظومة متكاملة يعمل فيها الجميع بإخلاص، ويؤدي كل فرد فيها دوره بإتقان. فخلف كل لاعب متألق… مدرب… وطبيب… وإداري… ولجنة مسابقات… ونظام…

وتفاصيل صغيرة قد لا يراها الجمهور، لكنها تصنع الإنجاز.

وإذا كان لهذه الحلقة من رسالة… فهي:

لا تنظر إلى الإدارة على أنها وظيفة… بل اعتبرها رسالة، ومسؤولية، وشغفاً. واترك في كل مكان تعمل فيه بصمة تضيف قيمة حقيقية لمن بعدك، فالأثر هو الإنجاز الذي يبقى عندما تنتهي المناصب. وتذكر دائماً أن التكنولوجيا لا تلغي الإنسان، لكنها تمنح الإنسان المتميز أدوات ليصبح أكثر تأثيراً. واقرأ اللوائح قبل أن تبدأ العمل، وافهم التفاصيل قبل أن تتخذ القرار، فالإدارة الناجحة لا تُبنى على الاجتهاد وحده، بل على المعرفة، والانضباط، وحسن الاستعداد.

أما أنا… فقد أصبحت على يقين أن أعظم البطولات التي عشتها لم تكن تلك التي انتهت بكأس أو ميدالية، بل تلك التي تعلمت خلالها كيف تتحول الإدارة من مهمة وظيفية… إلى شغف يرافقك مدى الحياة.

وللحديث بقية…