كلنا نعرف شهادات الجودة والآيزو… لكن قليل جداً يعرف أن للحركة الكشفية معياراً عالمياً يقيس جودة المؤسسات اسمه GSAT او اداة تقييم الدعم العالمي.
وبالنسبة لي… لم يكن GSAT مجرد شهادة حصلنا عليها أو تقييماً اجتزناه، بل كان اختباراً حقيقياً لكل ما بنيناه خلال سنوات، ودليلاً على أن العمل المؤسسي عندما يُبنى على رؤية واضحة… يصبح الإنجاز نتيجة طبيعية.
لما يسمع البعض كلمة GSAT، ممكن يظن إنها مجرد شهادة جودة جديدة، لكنها في الحقيقة المعيار العالمي الذي أطلقته المنظمة العالمية للحركة الكشفية لقياس مستوى الحوكمة، والعمل المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، والرقابة، والمساءلة، وتمكين الشباب، والنمو، والحماية من الأذى، وإدارة المخاطر، وغيرها من المؤشرات التي تعكس مدى نضج الجمعيات الكشفية حول العالم.
أما بالنسبة لي، فقصة GSAT ما بدأتش يوم حصلنا على الشهادة… بل بدأت قبلها بسنوات.
وتحديداً في عام 2019، عندما استعانت بي جمعية كشافة الإمارات مستشاراً لدعم رحلتها نحو الحصول على GSAT، بعد أن خضعت الجمعية للتقييم لاول مرة في ذلك الوقت.
تلك التجربة هي نقطة البداية.
وهناك رأيت بوضوح حجم العمل المطلوب، وأدركت أن الحصول على GSAT لا يتحقق بإعداد ملف جيد أو استكمال بعض السياسات والخطط، وإنما ببناء مؤسسة تمتلك منظومة متكاملة تستطيع أن تثبت جودة عملها على أرض الواقع.
ومنذ التحقت بالجمعية عام 2020… أصبح GSAT بالنسبة لي هدفاً، لكنه لم يكن الهدف النهائي، بل كان وسيلة لقياس نجاح رحلة البناء المؤسسي التي كنا نحلم بها.
وهناك بدأ العمل الحقيقي.
بدأنا بتأسيس منظومة متكاملة من السياسات الوطنية، تتوافق مع سياسات المنظمة العالمية للحركة الكشفية، وتنسجم مع تشريعات وتوجهات دولة الإمارات.
ثم عملنا على إعداد استراتيجية شاملة للجمعية، وربطها بخطط تشغيلية واضحة، ومؤشرات أداء قابلة للقياس، وخطط تنفيذية تغطي جميع الأهداف الاستراتيجية، مع متابعة أثرها وتقييمها بصورة دورية.
وفي الوقت نفسه، واصلنا تطوير اللوائح، والأنظمة، والتقارير، ومنظومة الحوكمة، والرقابة، وإدارة الأداء، بحيث أصبحت جميعها أجزاءً من منظومة واحدة تعمل برؤية موحدة.
وهنا تعلمت أن المؤسسات لا تتطور بالاجتهاد وحده… بل بالأنظمة التي تضمن استمرار النجاح حتى مع تغير الأشخاص.
لكن رحلة البناء لم تتوقف عند الوثائق والخطط.. بل امتدت إلى الإنسان.
عملنا على بناء منظومة متكاملة لنمو العضوية، أسهمت في تحقيق نمو تجاوز 200%، وعززنا مشاركة الشباب في صناعة القرار، ليس على المستوى المحلي فقط، بل على المستويين الإقليمي والعالمي.
كما طورنا منظومة الحماية من الأذى، وعملنا على ترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الجودة ممارسة يومية، وليست مشروعاً مؤقتاً.
ثلاث سنوات من العمل المتواصل… كان هدفها أن تصبح المؤسسة جاهزة، قبل أن تصبح مستعدة للتقييم.
ثم جاء الاختبار الحقيقي.

كان التحدي هذه المرة أكبر من أي وقت مضى؛ فقد خضعت الجمعية للتقييم وفق الإصدار الثالث من GSAT، وكانت أول جمعية كشفية في الإقليم الكشفي العربي تُقيَّم وفق النسخة الجديدة، والثالثة عشرة عالمياً.
ولم يكن التحدي مجرد اجتياز التقييم… بل إثبات أن كل ما بُني خلال السنوات الماضية كان يعمل بالفعل، وليس مجرد وثائق مكتوبة.
وبفضل الله… نجحت الجمعية في اجتياز التقييم، والحصول على شهادة GSAT، كاعتراف رسمي من المنظمة العالمية للحركة الكشفية بقدرتها على تطبيق الحوكمة، والعمل المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي وفق أفضل الممارسات العالمية.
لكن أكثر ما أسعدني… أن تقرير التقييم الذاتي الذي أعددناه، وما تضمنه من شواهد وممارسات، اعتمدته المنظمة الكشفية العربية لاحقاً دليلاً استرشادياً تستفيد منه الجمعيات الكشفية العربية في رحلتها نحو GSAT.
وهنا شعرت أن النجاح الحقيقي لم يكن في الحصول على الشهادة… بل في أن تصبح تجربتك مرجعاً يستفيد منه الآخرون.
وهناك أدركت أن التميز المؤسسي ليس محطة تصل إليها… بل رحلة لا تتوقف. فكل إنجاز يفتح باباً لإنجاز أكبر… وكل معيار تحققه اليوم، يصبح غداً الحد الأدنى الذي ينبغي أن تتجاوزه.
ورسالتي اليوم…
لا تجعل شهادات الجودة هدفك… بل اجعلها نتيجة طبيعية لرحلة بناء مؤسسي حقيقي. ابنِ الأنظمة قبل أن تبحث عن الشهادات، واصنع ثقافة عمل قبل أن تبحث عن التقدير؛ فالمؤسسات التي تؤمن بالتحسين المستمر لا تنتظر التقييم… بل تكون جاهزة له في كل وقت.
أما أنا…
فكلما نظرت إلى شهادة GSAT، لا أتذكر يوم الحصول عليها… بل أتذكر سنوات العمل، والاجتماعات، والتحديات، والقرارات، والجهود التي سبقتها. لأن الشهادة كانت مجرد صفحة واحدة… أما القصة الحقيقية، فكانت رحلة كاملة نحو التميز المؤسسي… وما زالت مستمرة.
وللحديث بقية