رحلتي بين الإخفاق والمعافرة (12) المخيم الكشفي العالمي، حين تحولت الأزمة إلى قصة نجاح!

أغسطس 12, 2026
Share

هناك مخيمات تمنحك الذكريات، وهناك مخيمات تمنحك دروساً تبقى معك مدى الحياة.

لم يكن المخيم الكشفي العالمي الخامس والعشرون في كوريا الجنوبية مجرد مشاركة دولية بالنسبة لي، بل كان اختباراً حقيقياً للتخطيط، وإدارة الأزمات، والعمل الجماعي. هناك أدركت أن النجاح لا يظهر عندما تكون الظروف مثالية، بل عندما تصبح الظروف في غاية الصعوبة.

كان ذلك أول مخيم كشفي عالمي أشارك فيه، ونافذة وجدت نفسي من خلالها وسط أكثر من 45 ألف كشاف وقائد من مختلف دول العالم. عالم كامل يجتمع في مكان واحد، بثقافات متعددة، وتجارب مختلفة، وفرص لا تتكرر كثيراً.

لكن قبل أن تبدأ التجربة، بدأ الاستعداد!

لم نكن نريد مجرد مشاركة عادية، بل كنا نطمح إلى مشاركة تليق بدولة الإمارات وان تكون مشاركة تاريخية. وبدعم القيادة الرشيدة وجهود مجلس إدارة جمعية كشافة الإمارات، تم إعداد أكبر وفد في تاريخ مشاركات الجمعية الخارجية، ضم 66 قائداً وكشافاً.

ولأن النجاح يبدأ قبل السفر، وضعنا برنامجاً إعدادياً متكاملاً، تضمن ثلاثة مخيمات تدريبية في العين ورأس الخيمة ودبي لمحاكاة طبيعة الحياة في المخيم، وركزنا على المهارات الكشفية، والعمل الجماعي، والهوية الوطنية، والاستعداد البدني، والتعامل مع درجات الحرارة والرطوبة المرتفعة التي تشتهر بها كوريا في ذلك الوقت من العام.

كما استعددنا لوجستياً بصورة دقيقة، فحرصنا على توفير احتياجات الوفد من الأغذية المناسبة، والأدوية، والمستلزمات، ووضعنا خططاً للإعلام، واللوجيستيات، وإدارة الوفد، وتوزيع المسؤوليات، حتى يكون كل فرد يعرف دوره قبل الوصول.

لكن الواقع… كان مختلفاً تماماً.

قبل انطلاق المخيم بأيام، بدأت الأخبار تتحدث عن أمطار غزيرة ضربت موقع المخيم. تواصلنا مع إدارة المخيم، فجاءت التأكيدات بأن كل شيء أصبح جاهزاً، وأن الأوضاع تحت السيطرة.

وصلنا إلى كوريا…

لكن المفاجأة الأولى كانت أن موقع مخيمنا أصبح شبه غارق بالمياه، واقترحت اللجنة المنظمة نقل الوفد إلى موقع آخر. وبعد نقاشات طويلة، حصلنا على تأكيدات من اللجنة العالمية واللجنة المنظمة أننا لن ننتقل من مكان المخيم الذي سنذهب إليه إلى مكان آخر وسنحافظ على الوفد وحدة واحدة وهذا كان هدفنا الأساسي، إلا أننا وصلنا إليه ليلاً لنجد الأرض الطينية والمياه تحيط بالمكان، مع ضعف واضح في التواصل والتنسيق بين المستويات المختلفة لإدارة المخيم.

ومع بداية الأيام الأولى، ازدادت التحديات.

درجات حرارة مرتفعة، ورطوبة قاسية، ونقص في المياه، وحشرات، وضغط بدني ونفسي على آلاف المشاركين، ونقص واضح في الموارد الغذائية (إلا أننا كنا مستعدين بالاحتياجات الغذائية للوفد)، حتى بدأت وفود كبيرة من دول مختلفة في الانسحاب من المخيم.

أما بالنسبة لنا… فلم يكن خيار الانسحاب مطروحاً.

كان التحدي الحقيقي هو المحافظة على سلامة المشاركين، ورفع معنوياتهم، وطمأنة أولياء الأمور، والاستمرار في تقديم تجربة إيجابية رغم كل الظروف.

وهنا أدركت أن إدارة الأزمات لا تبدأ عندما تقع الأزمة، بل تبدأ قبلها بوقت طويل.

كل خطة وضعناها قبل السفر أصبحت ذات قيمة.

تقسيم الأدوار، والجاهزية اللوجستية، والتواصل المستمر، والعمل بروح الفريق. كلها عوامل جعلتنا أكثر قدرة على التعامل مع الموقف.

ثم جاء اليوم الوطني لدولة الإمارات داخل المخيم.

ورغم كل التحديات، ظهر مخيم الوفد الإماراتي بأفضل صورة، واستقبل مئات الزوار الذين تعرفوا على التراث الإماراتي، والأطعمة الشعبية، والعروض الثقافية، والعادات الأصيلة، في مشهد عكس صورة مشرقة عن دولة الإمارات وشبابها.

لكن التحدي الأكبر لم يكن قد جاء بعد.

فقد أعلنت إدارة المخيم إخلاء الموقع بالكامل بسبب اقتراب إعصار قوي يهدد سلامة المشاركين.

خلال ساعات قليلة، كان علينا اتخاذ قرارات مصيرية.

وبتوجيهات رئيس الجمعية، وبالتنسيق مع المنظمة العالمية للحركة الكشفية، وسفارة دولة الإمارات في كوريا الجنوبية، بدأ تنفيذ خطة الإخلاء ونقل الوفد إلى العاصمة سيؤول وتوفير أماكن الإقامة المناسبة في الفنادق.

وبينما كانت الحركة الكشفية العالمية تنجح في إجلاء أكثر من 45 ألف مشارك خلال ساعات قليلة، كان هدفنا أن يشعر أعضاء الوفد بالأمان، وأن تستمر تجربتهم بروح إيجابية، بعيداً عن القلق أو الارتباك، وأن نوفر لهم مكان الإقامة اللائق والمناسب لوفد الدولة وتقديم كافة الخدمات المناسبة لهم.

استمرت البرامج، واستمرت الأنشطة، وتحولت الأزمة إلى تجربة تعلم لا تُنسى.

وهناك تغيرت قناعتي، تماماً.

كنت أظن أن أفضل قائد هو من ينجح في تنفيذ الخطة. لكنني اكتشفت أن أفضل قائد هو من يستطيع تعديل الخطة عندما تتغير الظروف، دون أن يفقد الفريق ثقته أو اتجاهه.

ورسالتي اليوم…

لا يمكنك أن تمنع الأزمات، لكن يمكنك أن تستعد لها. خطط جيداً، وابنِ فريقاً يعرف أدواره، وكن مستعداً لاتخاذ القرار في الوقت المناسب. ففي لحظات الأزمات، لا يختبر الناس جودة خططك فقط… بل يختبرون هدوءك، وقيادتك، وقدرتك على تحويل التحديات إلى فرص.

أما أنا…

فكلما تذكرت المخيم الكشفي العالمي في كوريا الجنوبية، لا أتذكر درجات الحرارة، ولا الأمطار، ولا الإعصار…

بل أتذكر كيف استطاع فريق واحد، بروح واحدة، أن يحول واحدة من أصعب التجارب إلى واحدة من أجمل قصص النجاح التي عشتها.

وللحديث بقية.