من أكتر الحاجات اللي بشوف إنها مهمة في حياة أي بني آدم، سواء في شغله أو بيته أو حياته بشكل عام، هي الأثر؛ لأن الأثر في رأيي هو القيمة الحقيقية لوجود الإنسان. مش مهم بس إنك تكون موجود في مكان، المهم إن وجودك يكون له معنى، وإن المكان يكون أفضل بوجودك فيه.
تخيل نفسك دخلت في يوم مكتبك في الشركة، أو ناديك، أو أي مكان بتتواجد فيه، ولقيت المكان مش نضيف ومش مرتب، والأوراق في كل مكان، والأتربة مغطية المكتب والأجهزة وكل شيء. وقتها هتعرف إن عامل النظافة غائب، أو يمكن موجود لكنه لسبب أو لآخر ماعملش شغله. لكن تخيل العكس تمامًا؛ دخلت ولقيت كل شيء نظيف وجميل ومرتب. وقتها غالبًا مش هتاخد بالك هو عامل النظافة موجود ولا لأ، وممكن أصلًا ماتسألش عليه، لأن شغله والأثر اللي عمله موجودين بالفعل. هو ده الأثر الحقيقي.
وقِس على كده كل شيء في حياتنا. لو غيابك عن مكان شغلك ماحدش حس بيه، ولو وجودك وغيابك مابقاش بينهم فرق، فهنا لازم تسأل نفسك: إيه القيمة اللي أنا بضيفها؟ وإيه الأثر اللي بسيبه؟ لأن فيه أشخاص بيكونوا حريصين إنهم يكونوا “شفافين” في المكان، علشان محدش يلاحظ غيابهم، وأحيانًا بيكون ده وسيلة للهروب من المسؤولية. والحقيقة إن الإنسان اللي وجوده وغيابه واحد، مع الوقت بيكون عبئًا على المكان والمؤسسة أكتر من كونه قيمة مضافة.

أنا مؤمن إن أي شخص، مهما كان منصبه أو دوره، لازم يكون له أثر في المكان اللي بيشتغل فيه. ومش لازم يكون الأثر ده إنجازًا ضخمًا أو تغييرًا يهز المؤسسة كلها. مش لازم تهد الكوكب وتبنيه من جديد! يكفي إنك تكون بتتقي ربنا في شغلك، وبتحاول تطور من نفسك، وتطور من شغلك، وتضيف حاجة جديدة حتى لو كانت بسيطة. لأن سنة ربنا سبحانه وتعالى في الكون هي التطور، وكما قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
وأنا شخصيًا دايمًا مؤمن بالفكرة دي، ومفتكرش إن في وقت من الأوقات دخلت وخرجت من مكان اشتغلت فيه أو قعدت فيه ومشيت من غير ما يكون ليا أثر، حتى لو كان بسيطًا. المهم إن يبقى فيه شيء يدل إني كنت هنا في يوم من الأيام؛ فكرة، إنجاز، نظام طورته، شخص ساعدته، معلومة علمتها، أو حتى مشكلة قدرت أساهم في حلها. مش مهم حجم الأثر، المهم إنه يكون موجودًا وحقيقيًا.
وده المعنى اللي بفهمه من قول الله سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. فالكلمة الطيبة والعلم النافع والعمل الصالح ممكن يبدأوا بحاجة صغيرة جدًا، لكن أثرهم يستمر ويتجاوز اللحظة والمكان.
وكمان يقول رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم. وده من أوضح المعاني اللي بتأكد إن قيمة الإنسان مش بس في اللي بيعمله وهو موجود، لكن كمان في الأثر اللي يفضل موجود بعد غيابه.
فلو كنت عامل، موظف، مدير، قائد، أو أيًا كان منصبك أو دورك، اسأل نفسك دائمًا: لو غبت عن المكان ده، إيه اللي هيفضل موجود ويقول إني كنت هنا؟
احرص دائمًا إن يكون لك أثر، حتى لو بسيط. لأن الحياة مش بعدد الأماكن اللي مررنا بها، ولا بعدد السنوات اللي قضيناها في العمل، لكن بما تركناه خلفنا في هذه الأماكن وفي حياة الناس.
وفي النهاية، افتكر دايمًا:
مش المهم إن الناس تلاحظ إنك موجود… المهم إنهم يلاحظوا الفرق لما تكون موجود.
ولنا لقاء آخر… وقيمة أخرى.