حين اجتمع العرب في مخيم العرب… في دبي

أغسطس 13, 2026
Share

هناك مخيمات تنتهي بانتهاء أيامها… وهناك مخيمات تترك أثراً يبقى لسنوات.

أما المخيم الكشفي العربي الثالث والثلاثون… فكان بالنسبة لنا حلماً أردناه أن يكون لكل العرب، بنكهة عالمية، وأن يصبح رقماً لا يُنسى في تاريخ المخيمات الكشفية العربية، حيث كانت هذه المرة الأولى التي تستضيف فيها دولة الإمارات المخيم العربي، وكان التحدي أكبر لأننا أردناه أن يكون الأكبر من حيث العدد والمساحة والمشاركة، وأن يقام في محمية المرموم الصحراوية كأول مخيم عربي يقام في محمية طبيعية.

ومنذ أن بدأ الحلم… بدأ التخطيط.. كيف نحول الصحراء إلى مدينة؟

كان علينا أن نستلم أرضاً صحراوية خالية، ونحوّلها خلال فترة قصيرة إلى مخيم متكامل يعيش فيه المشاركون عشرة أيام، ثم نعيد المكان إلى طبيعته بعد انتهاء الحدث، وكان المطلوب أن يكون المخيم متكاملاً من كافة الخدمات: خيام إقامة، خيام أنشطة، مياه، كهرباء، صرف صحي، خدمات صحية، تغذية، مواصلات، فعاليات وخدمات لوجستية، مع الالتزام باشتراطات الاستدامة والحفاظ على طبيعة المحمية، وكان التحدي أن نبني مخيماً عالمياً… في قلب الصحراء… وبفضل الله، تحولت الفكرة إلى واقع، وخرج المخيم في صورة تضاهي مستوى المخيمات العالمية.

ثم جاء تحدي التمويل والرعاية

حلمنا أن يكون المخيم تحت رعاية صاحب السمو حاكم دبي، ووفقنا الله، بدعم القيادة الرشيدة وجهود مجلس إدارة جمعية كشافة الإمارات، بالحصول على رعاية سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، وكانت هذه الرعاية بوابة للحصول على الدعم والتمويل، وبناء شبكة من الشركاء الذين أسهموا في تقديم تجربة استثنائية للمشاركين، وفي الافتتاح، شهد الحدث حضور سمو الشيخ منصور بن محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس مجلس دبي الرياضي.

ومع هذا الحجم من العمل… ظهر تحدي الموارد البشرية.

ومن هنا أطلقنا لأول مرة فريق الدعم العربي، للاستفادة من خبرات القادة المتميزين من مختلف الجمعيات الكشفية العربية، ليقدموا الدعم والخبرة اللازمة لفرق ولجان العمل، مستلهمين تجربة فرق الخدمة في الأحداث الكشفية العالمية، حيث تم اختيار القادة وفق مراحل منظمة، وبالتنسيق مع جمعياتهم الكشفية، مع تحديد المهام والحقوق والواجبات والتدريب اللازم، وبالتوازي، أطلقنا فرصة تطوعية داخل دولة الإمارات من خلال منصة الإمارات للتطوع، بهدف استقطاب وتأهيل كوادر كشفية وطنية لدعم الحدث واكتساب الخبرة في إدارة الأحداث الكبرى.

وفتيات الكشافة… تحدٍ آخر.

كنا نريد ترسيخ مشاركة فتيات الكشافة في المخيم للمرة الثانية في تاريخ المخيمات الكشفية العربية بعد الجزائر، وكان علينا أن نوازن بين المشاركة العربية الواسعة وخصوصية المجتمع الإماراتي وعاداته وتقاليده، وأن نطمئن أولياء الأمور على سلامة بناتهم، وبفضل جهود القادة والقائدات والتزام المشاركين، اجتمعت الكشافة وفتيات الكشافة العرب في المرموم، وانتهت التجربة دون حادث أو إشكالية واحدة يكون فيها طرف من الذكور والإناث.

وكان للمخيم وجه رقمي أيضاً

حلمنا أن يُدار المخيم إلكترونياً قدر الإمكان، فأنشأنا منصة للتسجيل وإدارة الوفود، وأطلقنا تطبيقاً خاصاً بالمخيم، وبطاقات تقدم رقمية لمتابعة مشاركة الكشافين في الأنشطة، وتقارير آنية للقادة ورؤساء الوفود، كما أوجدنا نظاماً إلكترونياً للحماية من الأذى والإبلاغ عن الحالات المرتبطة بها.

ولم نغفل الجانب الصحي، فتم توفير مستشفى ميداني مجهز وسيارة إسعاف، مع ترتيبات مسبقة لنقل الحالات التي تحتاج إلى رعاية متقدمة.

أما البرنامج… فكان تجربة متكاملة.

حرصنا على تقديم برنامج يجمع بين التعليم والتربية والكشافة والثقافة والمغامرة، وكل ذلك بنكهة عالمية، وبمشاركة جهات محلية واتحادية وإقليمية وأممية، إلى جانب زيارات وأنشطة في عدد من إمارات الدولة.

كما شهد الحدث تغطية إعلامية واسعة على مختلف المنصات، شكلت نقلة نوعية في حضور المخيم عربياً وإعلامياً.

لكن الحلم الأكبر كان العدد والمشاركة

كنا نحلم أن يكون المخيم الأكبر عدداً ومساحةً ومشاركةً، وبفضل الله تحقق الحلم بمشاركة 1500 كشاف وفتيات كشافة وقائد وقائدة من 19 جمعية كشفية عربية.. وكان بالفعل… مخيم كل العرب.

أما أنا… فكنت المنسق العام.

كان شرفاً كبيراً لي أن أكون المنسق العام لهذا العمل، من مرحلة التخطيط الأولى، بالتعاون مع زملائي لجنة التخطيط، وبإشراف ودعم مجلس إدارة الجمعية واللجنة العليا التي ضمت جهات محلية واتحادية وشرفت بعضويتها كذلك، وعملت مع زملائي في الجمعية وفريق عملي طوال مراحل المخيم، بداية من التخطيط، والإدارة المالية، والتنسيق، وإدارة الفعاليات، وحتى لحظة الختام.. وعودة الأرض إلى سالف عهدها صحراء خالية تماماً من أي شيء.

وأتذكر جيداً يوماً وقفت فيه داخل أرض المخيم، بعدما خرج الكشافون إلى أنشطتهم، وأصبح المكان هادئاً إلا من الخيام والقادة.. وأجد أمامي أربع مخيمات للكشافة، ومخيم لفتيات الكشافة، ومخيم للقادة، ومنطقة للفعاليات تجمع ثقافات الدول العربية… ومشهد يضم 1500 خيمة للمشاركين، رسموا معاً شجرة الغاف، إحدى أشهر الأشجار في الطبيعة الإماراتية، إلى جانب خيام الأنشطة والمطاعم والدعم اللوجستي ومسرح المخيم… وقلت لنفسي: هل حقاً فعلناها؟

ومع إسدال الستار على المخيم، وجدنا أمامنا سلسلة من الإنجازات التي تحققت لأول مرة في تاريخ الأحداث الكشفية العربية.

وهنا أدركت أن أجمل ما في القصة لم يكن المخيم نفسه… بل أن 19 جمعية كشفية عربية و1500 مشارك من الكشافة وفتيات الكشافة والقادة والقائدات من مختلف أنحاء الوطن العربي الكبير، اجتمعوا في دبي ليكتبوا معاً قصة نجاح عربية، ويعرضوا في لوحة متكاملة عادات وتقاليد وثقافة عربية أصيلة وشغف بالمستقبل والريادة انطلق من دانة الدنيا دبي.

ومن ثم… لم تكن قصة جمعية واحدة.. بل كانت قصة العرب جميعاً..

وهكذا… اجتمع العرب في مخيم العرب.

وللحديث بقية…