حين كتبنا فصلاً جديداً في تاريخ المؤتمرات الكشفية العربية

أغسطس 15, 2026
Share
هناك أحداث تُنظم… وهناك أحداث تصنع أثراً. وهناك مؤتمرات لا تُقاس فقط بما يحدث داخل قاعاتها، بل بما تتركه خلفها.
لم يكن المؤتمر الكشفي العربي الحادي والثلاثون مجرد حدث كشفي إقليمي أو اجتماع مؤسسي للمنظمة الكشفية العربية، بل كان حدثاً استثنائياً بكل المقاييس.

تحديات الإقليم ورؤية الإمارات

لم تكن صعوبة الحدث كامنة في الإجراءات التنظيمية فحسب، بل في الأجواء الإقليمية التي كانت ملبدة بالغيوم، وسط رغبة حقيقية في تطوير منظومة العمل المؤسسي والدستوري، وحالة من التجاذب على أكثر من مستوى.
وكان هدفنا واضحاً ورسخناه منذ اليوم الأول:
  • تقديم حدث إقليمي مميز من الناحية التنظيمية.
  • تهيئة أجواء تسودها روح الأخوة والمحبة.
  • إخراج المؤتمر في أبهى صورة تليق بالأحداث الإقليمية والعالمية التي تستضيفها دولة الإمارات.
وعلى مستوى جمعية كشافة الإمارات، حمل الحدث أهمية تاريخية خاصة؛ فهو يأتي بعد أكثر من ثلاثة عقود على استضافة الجمعية للمؤتمر الكشفي العربي الثامن عشر عام 1988، والذي أقيم برعاية الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
ومن هنا انطلقت الرغبة الحقيقية لتعود الجمعية لاستضافة المؤتمر في العاصمة أبوظبي، وتحت رعاية سمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي. وبفضل الله، وبدعم القيادة الرشيدة وجهود مجلس إدارة الجمعية، تحقق الأمل، ولم يكن طموحنا يقف عند حدود الاستضافة، بل أردنا أن يكون المؤتمر ومنتدى الشباب الكشفي العربي الأفضل تنظيمياً في تاريخ المؤتمرات الكشفية الإقليمية.

مواجهة التحديات وصناعة النجاح

لتحقيق هذا الطموح الاستثنائي، واجهتنا حزمة من التحديات الجسيمة:
  1. التمويل والموارد: تم تجاوز هذا التحدي عبر الرعاية والدعم المستمر، وبإشراف مباشر من مكتب أبوظبي الإعلامي، إلى جانب بناء شبكة متكاملة من الشركاء الداعمين للحدث.
  2. الكوادر الإدارية: ظهر التحدي الأكبر في إدارة هذه المنظومة الضخمة. فالطول الزمني لفعاليات المنتدى والمؤتمر جعل تفريغ عدد كبير من الكوادر الوظيفية أمراً بالغ الصعوبة. ولحل ذلك، فتحنا باب التطوع وقمنا برحلة مكوكية استهدفت جامعات الدولة، ولا سيما جامعات أبوظبي، لاستقطاب مجموعة واعدة من الشباب، وتدريبهم وتأهيلهم وفق خطة شاملة ليكونوا ركيزة أساسية في فريق العمل.
  3. الاشتراطات التنظيمية: تطلب الأمر التزاماً كاملاً بمتطلبات إمارة أبوظبي التنظيمية، وهو ما تم عبر تنسيق مستمر مع لجنة فعاليات أبوظبي ومشاركة مختلف الجهات المحلية المعنية.
وعلى مدار عام كامل، استمر العمل والتخطيط ووضع السيناريوهات محلياً وإقليمياً، حتى اللحظة الحاسمة.

انطلاقة استثنائية ورعاية رفيعة

انطلقت فعاليات منتدى الشباب الكشفي العربي في تجربة استثنائية، بحضور سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد آل نهيان، رئيس مكتب الشؤون التنموية وأسر الشهداء في ديوان الرئاسة ورئيس مركز الشباب العربي، ومعالي الدكتور سلطان النيادي، وزير الدولة للشباب، الذي قدم جلسة ملهمة للشباب شكلت فرصة حقيقية لتمكينهم وإشراكهم في القيادة وصناعة القرار.
ثم تلى ذلك افتتاح المؤتمر الكشفي العربي بحضور معالي الشيخ خليفة بن طحنون بن محمد آل نهيان، رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي، وعدد من القيادات التنفيذية في حكومة أبوظبي، في رسالة واضحة تعكس حجم رعاية واهتمام القيادة الرشيدة بالحدث وأهميته الاستراتيجية.
وبشهادة جميع المشاركين، خرج المنتدى والمؤتمر في صورة باهرة، معتبرين من أفضل الأحداث الإقليمية تنظيماً واستعداداً.

فكر القيادة وبناء الفرق

بصفتي المنسق العام للحدثين، تشرفت بالعمل مع فريق استثنائي وتحت إشراف ودعم مجلس إدارة الجمعية للتخطيط الكامل للفعاليات، والتنسيق المشترك مع المنظمة الكشفية العربية، والإقليم الكشفي العربي، والمنظمة العالمية للحركة الكشفية، ولجنة فعاليات أبوظبي.
شملت خطة الإدارة مجالات عدة؛ من الاستقبال والتوديع، الإقامة والإعاشة، النقل والمواصلات، البرنامج المصاحب، حفلي الافتتاح والختام، والأمسيتين الإماراتية والعربية، وصولاً إلى الدعم اللوجستي والإعلامي.
“الجهد الأكبر في إدارة الأحداث الكبرى لا يظهر بالضرورة أثناءها.”
على الرغم من حجم المجهود البدني والذهني الهائل طوال فترة التحضير، إلا أنني مع انطلاق الحدث انتقلت إلى مرحلة مختلفة تماماً؛ فلم يعد دوري إدارَة كل التفاصيل بنفسي، بل متابعة قادة فرق العمل، التنسيق مع الفريق الإقليمي، وضمان سير كل شيء وفق الخطط الموضوعة بمرونة تامة.
فالقيادة الحقيقية لا تعني أن تكون في كل مكان أو تفعل كل شيء بنفسك، بل تعني بناء فريق كفء يعرف أدواته، تمنحه الثقة، وتكون قادراً على توجيهه في اللحظة المناسبة. فإذا أدار القائد كل التفاصيل بنفسه عند انطلاق الحدث، فربما لم يبنِ فريقاً حقيقياً بعد. أما هنا، فقد كان لدي نخبة من الزملاء والقادة والمتطوعين الذين أتاحوا لي التركيز على الصورة الأكبر وضمان تكامل العمل.

آفاق مستمرة بلا توقف

لم تكن استضافة المؤتمر الكشفي العربي الحادي والثلاثين ومنتدى الشباب الكشفي العربي السادس مجرد نجاح عابر، بل كانت فصلاً جديداً في مسيرة جمعية كشافة الإمارات، ومحطة مضيئة في رحلة التحدي والإنجاز على المستويين الإقليمي والدولي.
وكلما تذكرت تلك الأيام، لا أتذكر تفاصيلها فحسب، بل أستحضر عاماً كاملاً من العمل الدؤوب، وتلك اللحظة الفارقة التي يتحول فيها التخطيط على الورق إلى واقع حي ومتحرك أمام الأعين.
وما زالت الرحلة مستمرة… بتحدٍ جديد، وحلم جديد، وإنجاز جديد يرفع اسم الوطن عالياً.
وللحديث بقية…