أستكمل معكم حكايتي من أول السطر…
عندما كنت طالباً في الثانوية العامة، كنت أحلم أحلاماً وردية بلا سقف، شأننا جميعاً في تلك المرحلة العمرية. وقتها كنت أحلم أن أكون مخترعاً أو عالماً مثل أحمد زويل. كنت متيماً بكلية العلوم إلى درجة أنه إذا أخبرني أحد أفراد أسرتي بأنه يريدني أن أصبح طبيباً أو صيدلياً، كنت أجيب فوراً: لا، أريد أن أدخل كلية العلوم مثل زويل.
وكنت أنا وصديقي المقرب في ذلك الوقت نتسكع ليلاً في شوارع قريتنا، نحلم بالمستقبل، ونتحدث عما سنفعله ونحققه عندما نكبر. لكن كل تلك الأحلام سرعان ما تحطمت أمام مجموع الثانوية العامة والتنسيق.
لذلك قررت أن أذهب سريعاً إلى الحل السحري: الكليات العسكرية، حاملاً حلماً جديداً بأن أكون ضابط جيش أو طياراً. قمت بسحب الملف وبدأت رحلة الاختبارات بحلم جديد.
في ذلك الوقت كان أحد أقاربي من خريجي كلية التربية الرياضية، وكان يتولى تدريبي على الاختبارات الرياضية الخاصة بالكليات العسكرية. فطلب مني أن أتقدم لاختبارات كلية التربية الرياضية لتكون بمثابة محطة تدريبية واختباراً عملياً قبل اختبارات الكليات العسكرية، خاصة أن الاختبارات متقاربة إلى حد كبير.. اقتنعـت بالفكرة وذهبت إلى اختبارات التربية الرياضية.
وفي الوقت نفسه، كنت قد ارتكبت خطأ في كتابة ملف الكلية الحربية استوجب الكشط، وعندما قرأت التعليمات وجدت أن أي كشط يستوجب شراء ملف جديد. ونظراً للمعاناة التي تكبدتها في السفر من قريتنا إلى القاهرة، قررت التخلي عن هذا الحلم أيضاً.
وفي المقابل، اجتزت اختبارات التربية الرياضية، رغم أنني سحبت الملف في اليوم الأخير، ولم يكن معي كامل الرسوم المطلوبة، واضطررت إلى الاستدانة من أحد الزملاء الذين تعرفت عليهم لأول مرة أثناء الاختبارات.
وشاءت الأقدار أن نصبح بعد ذلك زملاء في نفس الكلية، وقتها اعتبرت أن هذه رسالة من رب العالمين بأن هذا هو طريقي.

وكما أخبرتكم في الحلقة الأولى عن صديق والدي الذي قال لي: “يجب أن تكون من الأوائل وأن تصبح معيداً بالكلية”، فقد تحولت هذه العبارة إلى محرك رئيسي لحياتي الجامعية.
بدأت أسعى وراء هذا الحلم بكل ما أملك، فانخرطت في التدريب الرياضي العملي، واهتممت بالدراسة النظرية بشكل مكثف، أملاً في أن أكون من الأوائل وأصبح عضواً في هيئة التدريس، بل إنني، أنا وكثير من زملائي، كنا عينات في عدد كبير من الدراسات والأبحاث التي كان يجريها المعيدون وأعضاء هيئة التدريس، وكان الحلم يكبر في مخيلتي يوماً بعد يوم.. ولم أكن أتصور نفسي في أي مكان آخر غير هذا المكان، خاصة أننا كنا في نهاية خطة خمسية كانت تقضي بتعيين جميع الحاصلين على تقدير “جيد جداً”، وكانت بالنسبة لي فرصة ذهبية تزداد اقتراباً مع كل عام دراسي أحصل فيه على تقدير “جيد جداً”.
حتى انتهيت من دراسة البكالوريوس بتقدير عام “جيد جداً”، ووقتها بدأت أهنئ نفسي على اقتراب تحقيق الحلم، فقد كنا على بعد سنتيمترات قليلة من خط النهاية.
ثم جاءت الصاعقة… سيتم تعيين 15 معيداً. وأنا رقم 16. بفارق 0.5% فقط عن رقم 15، كانت تلك صدمة العمر بالنسبة لي.
واحتجت إلى فترة طويلة حتى أتجاوزها، وكانت أيام وليالي التجنيد كفيلة بأن تساعدني على استيعاب ما حدث، والاستعداد لبداية مرحلة جديدة من حياتي بعد ضياع حلم العمر.
والشاهد هنا من هذه القصة الطويلة، رسالة أوجهها إلى أبنائي وإخوتي ممن تقودهم الأقدار إلى كليات لم تكن ضمن أحلامهم أو حساباتهم:
مهما كانت الكلية، ومهما كان الطريق الذي ستسلكه، فإن هدفك ورغبتك هما وحدهما القادران على قيادتك في هذا الطريق.
أما الاستسلام، فكان وسيبقى ملجأ الضعفاء.
فلا تدع للضعف مكاناً في حياتك، وامتطِ صهوة جوادك في أي ميدان تجد نفسك فيه، وكن فارساً يحلم بالنصر، ويبذل العرق والجهد في سبيل تحقيقه.
وللحديث بقية…