أحياناً لا يكون أصعب ما في الحلم أن تسعى إليه… بل أن تفعل كل ما تستطيع، ثم تكتشف أن الطريق لم يكن مفتوحاً لك من البداية.
سنوات من الدراسة والبحث العلمي والمؤتمرات والجوائز، كنت أظن أنها مفاتيح الأبواب المغلقة، لكنني اكتشفت أن بعض الأبواب لا تُفتح بالمؤهلات وحدها.
لكل واحد منا حلمه الخاص، أما حلمي الذي رافقني منذ التحقت بالكلية، كما أشرت في الحلقات السابقة، فكان أن أصبح عضواً في هيئة التدريس.
كنت أرى أنني أمتلك المؤهلات والقدرات اللازمة لذلك، وعندما تحطم هذا الحلم لأول مرة عند محطة الترتيب على الدفعة، قررت ألا أستسلم، فالتحقت بالدراسات العليا سعياً وراء الحلم نفسه.
كانت وجهتي الجديدة جامعات الأقاليم والجامعات والكليات الناشئة التي كانت تبحث عن كوادر أكاديمية جديدة.
بدأت الرحلة من الإسماعيلية بعد حصولي على درجة الماجستير، واستمرت بعد الدكتوراه عبر غالبية الجامعات الجديدة في مصر.
وخلال تلك السنوات كنت أعمل أكثر فأكثر.
أنشر الأبحاث العلمية، وأشارك في المؤتمرات، وأصدر الكتب، وأحصل على الجوائز، وأسعى كل يوم إلى اكتساب خبرة جديدة تضيف إلى رصيدي العلمي والمهني.
ومع كل إعلان عن وظيفة أكاديمية جديدة، كنت أجد نفسي، شأن كثير من زملائي من حملة الماجستير والدكتوراه، أعود للحلم ذاته.
وفي كل مرة كنت أضع على طاولة لجنة الاختيار كل ما أملك من علم وخبرة وإنجازات؛ لكن ذلك، للأسف، لم يكن كافياً.
كنت أستعد للمقابلات الشخصية كما يستعد لاعب لنهائي بطولة.
أطبع أوراقي، وأجهز ملفاتي، وأراجع رؤيتي العلمية، وأبحث عن أحدث الدراسات والأبحاث في المجال.
أراجع عرضي مرات ومرات، وأتدرب على الإجابات، وأعيد ترتيب أفكاري عشرات المرات.
وبعد انتهاء المقابلة، وما ألمسه من ردود أفعال أعضاء اللجنة أثناء اللقاء أو بعده، كان الأدرينالين يبلغ أقصى مستوياته، وكان الأمل بالقبول يعانق السماء.
ليس لأنني كنت واثقاً من النتيجة، بل لأنني كنت أشعر بالرضا عن نفسي، فقد فعلت كل ما أستطيع، ولم يكن في الإمكان أفضل مما كان؛ بل إنني في إحدى المقابلات تلقيت التهاني بالفعل من أحد أعضاء اللجنة ومن بعض المقربين منها.
يومها ظننت أن الحلم اقترب أخيراً، وأن سنوات التعب والسعي أوشكت أن تؤتي ثمارها، لكن الصدمة جاءت كعادتها، فقد وقع الاختيار على شخص آخر.. شخص لم يكن حتى ضمن الحسابات.. شخص جاء من بعيد.. وربما شخص لم نره أصلاً يوم المقابلات.
كان هناك دائماً ذلك الشخص الخفي الذي يظهر في اللحظة الأخيرة ويحصل على المقعد.
ولأسباب يعلمها أصحابها، كانت الأحلام تتحطم على صخور الواسطة والمحسوبية والعلاقات والمصالح المتبادلة.
واستمرت الرحلة.

من أسوان جنوباً إلى الوادي الجديد، ومن العريش شرقاً إلى جامعات الدلتا، ومن جامعة إلى أخرى، ومن إعلان إلى آخر، لكن النتيجة بقيت واحدة.. كل الطرق كانت تؤدي إلى النهاية نفسها.
ورغم ذلك، لم ألجأ في أي وقت من الأوقات إلى التقاضي أو الطعن على تلك النتائج.
ولا أدّعي في ذلك بطولة، كما لا أنكر هذا الحق على غيري، لكنني كنت دائماً مؤمناً بأن هذا الطريق لن يغير كثيراً من الواقع الذي أعيشه، وقد أكون مخطئاً في ذلك.
كنت أؤمن أن طاقتي يجب أن تُوجَّه إلى محاولة فتح باب جديد، لا إلى الوقوف طويلاً أمام باب أُغلق بالفعل، ومع مرور الوقت بدأ اليأس يتسلل إلى داخلي، ووجدت نفسي مضطراً لمواجهة حقيقة لم أكن أريد الاعتراف بها:
ربما لا يوجد لي مكان في هذا العالم، وربما لم يكن مقدراً لي أن أسلك هذا الطريق، لكن الحياة كانت تخبئ لي محطة أخرى.
وفي اللحظة التي ظننت فيها أن الأبواب أُغلقت بالكامل… ظهر باب جديد.
ففي الأفق ظهر قسم أكاديمي جديد معني بعلوم الرياضة، يجري تأسيسه داخل أحد الصروح الأكاديمية الكبرى في مصر والوطن العربي، وعندما أتيحت لي الفرصة، سارعت بالمشاركة في تأسيسه، ساهمت في إعداد المقررات الدراسية، وصياغة المادة العلمية، والمشاركة في وضع اللبنات الأولى لهذا المشروع، وكان ذلك بالنسبة لي أملاً جديداً، وشعوراً بأن السنوات السابقة لم تذهب هباءً.
لكن بعد عامين من العمل، اكتشفت أنني كنت ألهث خلف سراب جديد.. ففي بعض المؤسسات يكون لكل شخص دور محدد، وحدود لا يستطيع تجاوزها مهما قدم من جهد أو إنجاز، وعندما أدركت ذلك، قررت الخروج من هذا الدور، وحتى عندما حاولت أن أستثمر ما حققته من إنجاز أكاديمي وبحثي في مسار الترقي الأكاديمي، تحطم هذا الحلم أيضاً على صخور الواقع.
وهنا أدركت درساً لم أتعلمه في أي جامعة.
بعض الأحلام نحققها، وبعض الأحلام يكون دورها أن تحقق شيئاً بداخلنا، فقد يكون الحلم مجرد وسيلة تدفعك للاستمرار في الطريق، لا غاية تصل إليها في نهايته، وقد يكون دوره أن يصنع منك إنساناً أفضل، لا أن يمنحك منصباً أو لقباً، ومنذ ذلك الوقت لم أتخل تماماً عن الحلم، لكنني تصالحت مع فكرة أن الأحلام ليست دائماً قدراً مكتوباً للتحقق.
وأيقنت أن الجائزة الحقيقية لم تكن في نهاية الطريق، بل كانت الطريق نفسها، كانت المعرفة التي اكتسبتها، والخبرات التي عشتها، والأشخاص الذين التقيتهم، والدروس التي تعلمتها، والنسخة الجديدة من نفسي التي صنعتها هذه الرحلة الطويلة، وأنا هنا لا أدعو أحداً إلى التخلي عن أحلامه، فربما كنت مخطئاً حين خففت تمسكي ببعض أحلامي، وربما لو عاد بي الزمن لسلكت الطريق نفسه مرة أخرى.
لكنني أدعو الجميع إلى الاستمرار في العمل، وتجديد الدوافع، والبحث عن أبواب جديدة كلما أُغلقت الأبواب القديمة، فالحياة لا تتوقف عند باب أُغلق، ولا تنتهي عند فرصة ضاعت، ولا تختزل في حلم واحد مهما كان عظيماً.
كما أدعو الله أن تزول غمة الواسطة والمحسوبية، التي حرمت الكثير من أصحاب الكفاءة من فرص كانوا يستحقونها، وقتلت أحلاماً كان يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً في مؤسساتنا ومجتمعاتنا.
خسرت المقعد الذي سعيت إليه سنوات طويلة… لكنني ربحت ما هو أبقى من أي منصب: الخبرة، والمعرفة، والقدرة على البدء من جديد.
وإذا كان لهذه الحلقة من رسالة أوجهها لكل شاب أو باحث أو صاحب حلم، فهي:
لا تجعل رفض الآخرين لك سبباً في رفضك لنفسك، ولا تجعل باباً أُغلق في وجهك يقنعك بأن الطريق انتهى، فإن أُغلق باب حلمك اليوم… فلا تسمح له أن يُغلق باب الأمل داخلك.
وللحديث بقية…