تُناقَش «رؤية مصر 2030» غالبًا بمنظور البنية التحتية والاقتصاد والتعليم والخدمات العامة، لكنني كنت دائمًا أرى أن الرياضة جزء أصيل من هذه الصورة الوطنية، لا بندًا هامشيًا؛ فهي تؤثر في الصحة العامة، وتنمية الشباب، والهوية الوطنية، والحضور الدولي، وفرص العمل، والاستثمار، وحتى السياحة. من هنا جاء بحثي العلمي الذي قدّمت فيه استراتيجية مقترحة لتطوير الرياضة المصرية في ضوء رؤية مصر 2030، انطلاقًا من قناعة أن الرياضة يجب أن تُخطَّط لها بالجدية نفسها التي نخطّط بها لبقية القطاعات.
في هذه التدوينة لا أكتب كراصد بعيد، بل كباحث حمل الأسئلة، وتعامل مع التفاصيل، وحاول أن يحوّل رؤية وطنية واسعة إلى مسار استراتيجي عملي؛ أقدّم الاتجاه العام للبحث، ورحلتي في كتابته، وما أراه من أثر محتمل على المؤسسات والقطاعات… وقبل ذلك على الناس.

حين تضع دولة ما رؤية من نوع «2030»، فهي تقول ضمنيًا: نريد تقدمًا قابلًا للقياس، لا جهودًا مشتتة. لا يمكن أن يبقى قطاع الرياضة رهين المبادرات المتفرقة والحماس الموسمي والدورات الإدارية القصيرة؛ بل يحتاج إلى تخطيط بعيد المدى، وأولويات واضحة، ومؤشرات أداء، ومسؤوليات محددة.
خلال العمل على الورقة، ظل سؤال واحد حاضرًا: مصر تمتلك كتلة سكانية كبيرة، وقاعدة شبابية قوية، وتاريخًا رياضيًا عريقًا، لكن النتائج التنموية لا تعكس هذا الإمكان بالشكل الكافي؛ وهذه ليست إدانة لأفراد، بل إقرار بأن الأنظمة تحتاج إلى «استراتيجية». من دون استراتيجية يمكن إنفاق موارد ضخمة دون بناء استدامة، ومع استراتيجية يمكن حتى للموارد المحدودة أن تصنع أثرًا تراكميًا بمرور الوقت.
جوهر الورقة كان تقديم مدخل منظم يربط تطوير الرياضة برؤية مصر 2030، ويحوّل الرؤية من شعار إلى برامج ومحاور زمنية وآليات تنفيذ.
فرض هذا البحث عليّ نوعين من التفكير في آن واحد: تفكيرًا وطنيًا واسعًا يسأل: كيف تسهم الرياضة في التنمية المستدامة؟ وكيف يبدو «النجاح» عندما يكون الهدف مجتمعًا أكثر صحة وإنتاجية بحلول 2030؟ ثم تفكيرًا تشغيليًا يسأل: ما السياسات، والمشروعات، والإصلاحات التنظيمية التي يجب أن تُنفَّذ عامًا بعد عام للوصول إلى تلك الصورة؟
التحدي أن العمل الاستراتيجي بطبيعته متعدد التخصصات؛ فاستراتيجية الرياضة ليست «إعداد لاعبين» أو «بناء ملاعب» فقط، بل تمتد إلى الحوكمة، والتمويل، والهياكل المناهضة للمنشطات، ونماذج الاستثمار (مثل مشروعات الـ BOT)، ومسارات اكتشاف المواهب، والمشاركة المجتمعية، والالتزام بالمعايير الدولية. ومع الانتقال بين هذه الملفات كنت أحاول الموازنة بين الطموح والواقعية: أن تكون الاستراتيجية ملهمة بما يكفي لتحريك صُنّاع القرار، وفي الوقت نفسه قابلة للتطبيق عبر سنوات ومتغيرات.
تضم الوثيقة أقسامًا مركّبة تعكس هذا المدخل، منها إطار تفصيلي مرتبط بأفق 2030 وخريطة زمنية تمتد بعدة سنوات، مع توظيف خبرات ومراجع دولية في استراتيجيات الرياضة وتخطيط استثمارات المنشآت، لأن الاستراتيجية الوطنية تصبح أقوى حين تتعلّم من نماذج مجرّبة لا حين تعيد اختراع العجلة.
على الرغم من كثرة التفاصيل، يمكن تلخيص اتجاه الاستراتيجية المقترحة في عدة أفكار محورية:
إعادة تموضع الرياضة كأحد عناصر تحقيق أهداف التنمية في رؤية مصر 2030، لا كمجرد نشاط ترفيهي ثانوي.
اعتماد تخطيط ممتد حتى 2030 عبر مراحل واضحة وخارطة طريق زمنية، بدل الاتكال على مشروعات قصيرة المدى متفرقة.
إعطاء الحوكمة والجاهزية المؤسسية وزنًا مساويًا للمنشآت والبطولات؛ فمن دون نظم قوية تبقى النتائج غير مستقرة.
التعامل مع النزاهة والمصداقية كجزء من التطوير، عبر الإشارة إلى هياكل مكافحة المنشطات (مثل الوكالة العالمية WADA والهيئة الوطنية المصرية EGY NADO)، بما يعكس أن الرياضة الحديثة مطالبة بالالتزام الأخلاقي والمعايير الدولية لا بالإنجاز الرقمي فقط.
التركيز على آليات التمويل والاستثمار، بما فيها النماذج التعاقدية طويلة المدى التي تدعم الاستدامة وتخفّف الاعتماد على التمويل التقليدي وحده.
باختصار، الاستراتيجية ليست عن «المزيد من الرياضة» فقط، بل عن رياضة تُدار بحوكمة أفضل، واقتصاد رياضي أوضح، وأثر اجتماعي أعمق.
طرح عليّ هذا السؤال مبكرًا: من المستفيد الفعلي من «تطوير الرياضة»؟ إذا كان الجواب محصورًا في «اللاعبين النخبة»، فهذه ليست استراتيجية مكتملة. لذلك صيغ الاتجاه المقترح بحيث يخدم:
الشباب والأسر: لأن المشاركة الرياضية المنتظمة تدعم الصحة، والانضباط، والانتماء، والهوية الإيجابية، حين تكون البرامج متاحة ومدارة بشكل مهني.
مؤسسات الرياضة (أندية، اتحادات، وزارات، لجان): لأن الاستراتيجية توفّر إطارًا للتنسيق وتقلّل تناقض الجهود، وتدعم حوكمة أكثر احترافًا ومسؤولية أوضح.
منظومة التعليم والجامعات: لأن تطوير الرياضة مرتبط بسلاسل إعداد الناشئين والشباب، ومسارات اكتشاف المواهب، وبناء قاعدة نتائج للمستقبل.
الاقتصاد الرياضي: من رعاة ومستثمرين ومشغلي منشآت ومقدمي خدمات ومنظمي فعاليات؛ لأن وضوح الاستراتيجية يخلق مناخًا استثماريًا أفضل وأطرًا مشروعية أكثر يقينًا.
الصحة العامة وجودة الحياة: لأن مجتمعًا يزداد فيه النشاط البدني يخفّف أعباء صحية طويلة المدى، ويرفع جودة الحياة في المدن والقرى على السواء.
بهذا المعنى، «رؤية 2030 في الرياضة» هي أن تصبح الرياضة أداة وطنية منظمة لتحسين الحياة اليومية، لا مجالاً للاحتفال الموسمي فقط.
استراتيجية رياضية وطنية جدّية تترك آثارًا ملموسة على الاقتصاد وسوق العمل، إذ تسهم في:
دفع مشروعات تطوير وتشغيل المنشآت (إنشاء، وصيانة، وإدارة)، خصوصًا عندما تُنفَّذ وفق نماذج استثمار طويلة المدى وزمنية واضحة.
توسيع سوق الفعاليات الرياضية، والإنتاج الإعلامي، وخدمات البث، والفرص السياحية المرافقة، إذا تضمّنت الاستراتيجية أجندة نشاط ومؤشرات أداء عبر سنوات.
نمو خدمات الطب الرياضي، والتأهيل، واللياقة، والتعليم والتدريب المهني للمدربين والإداريين، لأن زيادة المشاركة تتطلب موارد بشرية مؤهلة بمعايير أخلاقية ومهنية.
تعزيز سوق العلامات الرياضية والرعاية والتسويق، لأن وضوح الرؤية يسهل على الرعاة فهم ما يستثمرون فيه وما يمكن أن يعود عليهم على المدى البعيد.
لهذا أرى أن استراتيجية الرياضة جزء من تحديث الاقتصاد الوطني، لا وثيقة داخلية تخص قطاعًا واحدًا.
من السهل أن تتحول الاستراتيجيات إلى مستندات على رف؛ لذلك حاولت أثناء الكتابة أن أُنزِل أفق 2030 إلى أرض الواقع:
2030 يعني طالبًا يجد مساحة رياضية آمنة في المدرسة وينمو ليصبح راشدًا أكثر صحة. ويعني موهبة رياضية تلقى مسار إعداد واضحًا لا رحلة عشوائية. ويعني مدربًا يتلقى تعليمًا مهنيًا ويعمل في منظومة تحترم التخطيط. ويعني شابًا/شابة يجد فرصة عمل في خدمات الرياضة لأن الرياضة تحوّلت إلى اقتصاد حقيقي. ويعني أيضًا مشجعًا يرى مؤسسات رياضية تعمل بشفافية ونزاهة.
لهذا تعاملت الورقة مع الرياضة كاستثمار منظم في البشر، لا كترفيه فقط.
أشارك هذه الرؤية عبر مدونتي الشخصية لأن التفكير الاستراتيجي في الرياضة لا ينبغي أن يبقى حبيس القاعات الأكاديمية؛ فالاستراتيجية الوطنية لا تنجح إلا حين تتحول إلى «لغة مشتركة» بين صُنّاع القرار، والمؤسسات، والمهنيين، والرأي العام.
آمل أن تُسهم هذه الاستراتيجية المقترحة في فتح نقاش وتوليد فعل: توحيد جهود المؤسسات، وتشجيع التخطيط القابل للقياس، وجعل تطوير الرياضة جزءًا أصيلًا من التحول الوطني نحو 2030؛ لا كإضافة تجميلية، بل كركن حقيقي من أركان التنمية المستدامة في مصر.