رحلتي بين الإخفاق والمعافرة (8) حين أصبحت الأحلام خططاً… والفرص إنجازات

أغسطس 12, 2026
Share

هناك محطات تمنحك وظيفة… وهناك محطات تمنحك رسالة.

لم يكن انضمامي إلى كشافة الإمارات مجرد انتقال إلى مكان عمل جديد… بل كان انتقالاً إلى عالم تعلمت فيه أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، وإنما تتحول إلى إنجاز عندما تمتلك رؤية، وفريقاً يؤمن بها، وإرادة لا تعرف التراجع.

في البداية، أود الإشارة إلى أن هذه المرحلة تُعد من أهم مراحل رحلتي المهنية، وتحمل من التفاصيل والتجارب والإنجازات ما لا يمكن أن تحتويه حلقة واحدة. لذلك ستكون هذه بداية لسلسلة من الحلقات التي أتحدث فيها عن تجربتي مع جمعية كشافة الإمارات، وما شكلته من نقطة تحول في حياتي المهنية.

فعندما التحقت بجمعية كشافة الإمارات، لم أكن أدرك أنني أقف على أعتاب المرحلة الأكثر تأثيراً في مسيرتي المهنية، ولم تكن الجمعية مجرد مؤسسة جديدة أعمل فيها، بل كانت بوابة واسعة إلى عالم يتجدد كل يوم، حيث تلتقي القيادة بالشباب، والعمل المؤسسي بالشغف، والشراكات الدولية بصناعة الأثر المجتمعي، وبفضل الله أولاً، ثم بدعم مجلس الإدارة، والأمين العام، وثقة القيادة، والعمل مع فريق يؤمن بالنجاح كما أؤمن به، أصبحت كل مرحلة تحمل تحدياً جديداً… وكل تحدٍ يفتح باباً لإنجاز جديد.

وهناك أدركت أن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالمصادفة… بل تُبنى بالرؤية.

كانت البداية… بناء المؤسسة قبل صناعة الإنجاز

ولم تكن البداية سهلة على الإطلاق، وكان أول التحديات يتمثل في استكمال بناء مؤسسة حديثة تعتمد على منظومة متكاملة من اللوائح، والسياسات، والإجراءات، بما يتوافق مع سياسات المنظمة العالمية للحركة الكشفية، وينسجم في الوقت نفسه مع توجهات دولة الإمارات ورؤيتها المستقبلية، ولم يكن الهدف إعداد لوائح أو وثائق تنظيمية فحسب، بل كان الهدف ترسيخ ثقافة مؤسسية تؤمن بأن الجودة ليست مشروعاً مؤقتاً، وإنما أسلوب عمل دائم.

ولهذا بدأنا رحلة صياغة استراتيجية خمسية، وتطوير منظومة الحوكمة، وتأصيل العمل المؤسسي، وبناء سياسات ولوائح ونظم وإجراءات تعمل جميعها وفق رؤية واحدة ورسالة واحدة وطموح واحد، وخلال تلك المرحلة تعلمت درساً بالغ الأهمية، وهي أن الاستراتيجية لا تنجح بالوثائق… بل بالأشخاص الذين يؤمنون بها.

الثقة… كانت أول إنجاز

فقبل أن نبني المشروعات كان علينا أن نبني الثقة على كافة المستويات الثقة بين أعضاء فريق العمل، والثقة بين الجمعية ومفوضياتها، والثقة مع المؤسسات الحكومية والخاصة، والثقة مع شركائنا على المستويين الإقليمي والدولي، وأدركنا أن الشراكات الحقيقية لا تقوم على تبادل المصالح فقط، وإنما على صناعة قيمة مشتركة تحقق النجاح للجميع. ولهذا أصبحت فلسفة Win-Win جزءاً أصيلاً من طريقة تفكيرنا في بناء العلاقات، فلم نكن نبحث عن شريك ينفذ معنا مشروعاً، بل عن شريك يشاركنا الرؤية ويؤمن بالهدف.

رحلتي بين الإخفاق والمعافرة  (8) حين أصبحت الأحلام خططاً... والفرص إنجازات

وفي ظل الجائحة… كان الاختبار الحقيقي

بدأت هذه الرحلة في وقت كانت فيه جائحة كوفيد-19 تعيد رسم ملامح العالم، وفي الوقت الذي كانت فيه مؤسسات كثيرة تبحث عن كيفية الاستمرار، كنا نفكر في كيفية البناء والتقدم، ومن ثم كانت الأزمة فرصة لإعادة التفكير، وتسريع التحول الرقمي، وابتكار أساليب جديدة للعمل والتواصل وتنفيذ البرامج.

وهناك تعلمت أن الأزمات لا تمنع النجاح، بل تكشف الفرق بين من ينتظر الظروف المناسبة… ومن يصنعها، فعلى الرغم من كل التحديات، استطعنا أن نعزز علاقاتنا مع شركاء جدد، ونحقق نجاحات متتابعة، ونبني الثقة داخل الفريق ومع شركائنا في الداخل والخارج.

ثم جاء الحلم… إكسبو دبي

أتذكر جيداً أحد اجتماعات فريق العمل، كنا نتحدث بحماس عن إكسبو 2020 دبي، وسألنا أنفسنا: “هل يمكن أن يكون لكشافة الإمارات حضور حقيقي داخل هذا الحدث العالمي؟ وهل يمكن أن ننظم إحدى الفعاليات في اكسبو؟”، في ذلك الوقت بدا السؤال أكبر من إمكاناتنا، لكننا لم نتعامل معه كحلم بعيد؛ بل كمشروع ينتظر فرصته.

وبدأنا نبحث عن تلك الفرصة حتى جاءت عبر المنظمة العالمية للحركة الكشفية، وبالشراكة مع شركة SAP، من خلال المخيم الكشفي العالمي على الهواء والإنترنت جوتا جوتي (JOTA-JOTI).، وكانت تلك الفرصة هي نقطة الانطلاق، ولم نكتفِ بالمشاركة فقط؛ بل نجحنا في جمع كشافة العرب في يوم الأخوة الكشفية العربية أمام ساحة الوصل في إكسبو دبي، في مشهد عكس روح التعاون والعمل العربي المشترك، وحظي باهتمام إعلامي واسع وتصدر الصفحات الأولى للصحف، ونظمنا منتدى السلامة الرقمية بمشاركة الجمعيات الكشفية العربية وبحضور المنظمة العالمية للحركة الكشفية، واطلقنا استراتيجيتنا لدمج وتمكين أصحاب الهمم، ثم توالت النجاحات.. فتمكنا من تنظيم ست فعاليات كبرى داخل إكسبو، وبناء شراكات استراتيجية مع مؤسسات حكومية وخاصة، وتعزيز الحضور الإعلامي والمؤسسي للجمعية.

وهناك أدركت أن… المؤسسة التي تمتلك رؤية واضحة تستطيع أن تحول فرصة واحدة إلى عشرات الفرص.

وهناك تغيرت قناعتي…

فقد كنت أعتقد أن النجاح هو تنفيذ مشروع ناجح، لكنني اكتشفت أن النجاح الحقيقي هو بناء مؤسسة تستطيع أن تنتج النجاح مرة بعد أخرى، فالإنجاز قد يصنعه شخص… أما الاستدامة… فلا تصنعها إلا المؤسسات.

وإذا كان لهذه الحلقة من رسالة… فهي:

لا تنتظر الفرصة المثالية… بل كن مستعداً عندما تأتي الفرصة … ابنِ فريقاً يؤمن بالحلم قبل أن تطلب منه تحقيقه، واجعل الرؤية هي نقطة البداية، والعمل الجماعي هو طريق التنفيذ، والشراكات هي الجسر الذي يعبر بك نحو إنجازات أكبر، وتذكر دائماً أن الأحلام لا تتحقق لأنها جميلة… بل لأنها تتحول إلى خطط، والخطط تتحول إلى عمل، والعمل المستمر يصنع الإنجاز.

أما أنا… فقد كانت كشافة الإمارات بالنسبة لي أكثر من محطة مهنية…

كانت المدرسة التي تعلمت فيها أن القيادة مسؤولية، والعمل المؤسسي ثقافة، والشراكات قوة، وأن الأحلام الكبيرة تبدأ دائماً بخطوة صغيرة… يؤمن بها أصحابها.

وللحديث بقية…